كن بلا عقل

كن بلا عقل
’’كن عاقلاً، وابتعد عن الكتب، المدنية حلمٌ زائف!‘‘ تتكرر على مسامعي هذه الجملة من الإرشاد الملتبس الذي يحمل المضمون المعاكس تمامًا لظاهر كلماته، كن بلا عقل خاص بك، بلا تطور، بلا مبادرة شخصية، شابه الجميع واختر عصفور اليد المتوفر بدلًا من ملاحقة أوهام عصافير الأشجار -ما يسمي بالمدنية-.
في ذلك الظلام في تلك الغابة المقيتة حيث تعيش الوحوش الضارية يحزنني كثيراً غياب وجوه أناس كثر كان وجودهم يمنحني أملاً بانتصار الإنسان المتطور منتج المعرفة في الغابة الشريرة. في تلك البقعة يتجسد عالم صغير من الاستبداد الذي يحارب المعرفة ويمقت الكتب وكل نور يهدد وجود الظلام.
لم يعد لدي شيء أكرم به المثقفون الراحلون ربما أفضل ما يمكنني اعطاءه للمفكرين ومنتجي المعرفة ليس الرثاء وذكر حسناتهم وصفاتهم وحسب، فهم كقمر مشع أضاء عالم الأمس و لا يحتاحون مني هذا الرثاء والمديح، بل إن أكبر تكريم لهم هو احترام جهودهم و إعادة قراءة ما أفنو عمرهم وهم يحاولون بذله كي يتجسد لهم عالم أفضل في لحظة الحاضر واستثمار هذه الجهود من وقفات واعتصامات وورش عمل وحتي حملات لتتمكن البلاد ربما بمساعدتهم علي تجاوز هذا الألم والتقدم نحو التطور بسرعة إن أمكنها ذلك.
هكذا حتى وإن سببت لي القراءة والنقد قطيعة مع الماضي ومعه أحيانًا أكون قد استحوذت على شعاع من نورهم ليستمر بعضٌ منه مضيئاً -بشكل أو بآخر- في سماء الأمس والآن وغدا. روح المتمدن الخالصة منتج التغيير هي جهده الذي لايفنى طالما هو في عقلي روح: فأفكار التمدن باقية لاتفنى.

سنوات دون أمل

سنوات دون أمل
من قال إن الحياة ليست بسريعة، وأن الزمن لا يتوقف خمس ثوانٍ بين لحظة إنطلاق المظاهرات المنددة بإسقاط النظام والمطالبة بنظام أفضل وبين السنوات الست التي أفقدتني أصدقاء وأحباب واقارب..
سنوات مضت بسرعة البرق بالرغم من عنف ما حدث في بنغازي من تدمير وتهجير وقتل واقتتال عنيف، وبالرغم من حضور كل شياطين العالم على أرضنا واقتسامهم لدمائنا ومحاولتهم بث الظلام واذلالنا وبالرغم من ضيق الأفق وكل ما يقال ولا يقال عن ضياع الحل بين أطراف الأزمة كما يقولون؛ تلك الصورة تحضرني كالوهج المضيء للعتمة يصبح فيه هذا الدم والدمار ثمن مقبول معادل لمضمونٍ يفوق كل تصوراتي عن الجمال والاكتمال فكما كانت الظلمة هي أيامنا الفائتة ربما تكون الست القادمة جمال ما بعده جمال.
لكل من دُمّر بيته وانتهكت أحلامه وفُجع بخسارة أحبائه وتاريخه وحاضره
لكل من ظُلم ولم يُسمع صوته..
لكل من نُفي أو شُرد عن هذا الوطن المقهور
لكل من عبر الحدود واعتلى الأمواج خوفاً على أولاده ووجوده و مكانه..
لكل من غرق في رحمة الأمواج أو في براري الغربة هائمة روحه لتربة هذا الوطن
لكل من سكن المدارس او بات في العراء ينهش الذلّ كرامته مكرهاً ومجبراً مهما كان نوع الإجبار ومهما كانت الظروف
رجاء لتعلمو جميعا أنكم مازلتم هنا وأن الأفضل هناك وهو قادم لا محالة، لو تعلمون أنتم يقيني الذي فقدت فضعت في دوامات الظلام و فقدان الأمل في حياة أفضل فلا معنى لوجودي دونكم وليس الوطن سوى أنتم ….
رجاء سامحوا سنواتكم وتصالحوا مع ماضيكم ولتقبلوا علي الحياة بنظرة أفضل فلا فبراير ولا سبتمبر تتوقف بدونهم الحياة ..
رجاء سامحوني سامحوا صمتي فلم يكن لي يوماً أي صوت ولم أكن املك مقدار ذرة كره الحياة ..
ولتعلموا بأن تفاؤلنا ليس رفاهية تفاؤلنا ضرورة ولا خيارات لدينا.. فكل هذا الخراب والحصار أمامي يقول بأنه لا أمل وأنني واهم.. وأن وجودنا ليس أخف من سقوط اوراق الاشجار ..
فبعد كل الذي مضي لن أرحل إلا وبرأسي تلك الصورة عن وطن أجمل مسكونا بشغف وضرورة إعادة إحيائها وتجسيدها كيفما استطعت فوق كل هذا اليأس والخراب.
فتمنوا لبعضكم وللوطن أياما أفضل

ملاك بمدينة الأشباح

ملاك بمدينة الأشباح
حياتنا أصبحت كشبح يعلق قلوبنا بعادات حمقاء لم تنتهي ..
حينَ التقيتُها تلك المرة لم تكن تبدو أبداً كإمراة ستحدثني يوماً عن الوطن كانت منهكة و تسمّي اﻷشياء بغيرِ أسمائها ..
بادرتها سائلاً ..
 أيعقل ان تكوني شبح أيتها الجميلة ؟هل للأشباح وجود ؟
ابتسمت وحدثتني بكل هدوء قالت :
 نعم تستطيع تسميتي شبحاً فقد سئمتُ عاداتنا المقيدة.. فنجانُ قهوة معك اﻵنَ سيكفيني الي أيد الابدين ..
ثم أكملت حديثها قائلة سأكون امرأة تقليدية علك تعتاد كلماتي بسرعة ..
 سأكمل ما بدأته انت ..لعل علامات الاستفهام تمتلك سريع الأثر في تقريب الكلام ..
أخبرني ماهي المكانة التي يمكن لشخص مثلك الحصول عليها في حياتي ..
بانت علي ملامحي علامات التعجب خقاً ..أجبتها مبتسما..صديق..حبيب..رفيق للدرب أخ توأم لاحتمال الموت كل يوم هو ما اريد حيث لا عمر لي فأنا أحيا بلا ايام  ..شريك في حرب ونصر ضد كل قديم هو ما اتمني الظفور به ..
بنظرة من عيناها الغائرتين تجمد الوقت ..
فلعيناها الف لعنة جعلتني انهي كلامي .. في تلك الزاوية المظلمة ..هجرت حروفي و تاهت مني كل الأغاني ..عاتبت نفسي “لاتشبيه لديك الان “
وكأن حروفي كلها تهرب مني لتذوب في فمها وكنت أتساءل في أيّ عالم سترميني اﻵنَ حين تنطق ..
قلت بداخلي اتعلَّم انها سوف تبكي إن اكتشفت أنك تملكُ سلاحاً تركتهُ تحتَ تلّة الكتب وأنك تخفى الرصاصات في بنطالك الأسود الممزق من منتصفه
كلُّ شيءٍ يصابُ بعدوى الجهل .. قالت ..
كيفَ جرتك عادات المجتمع إليها ؟ .. قلتْ
تخيلي لو أنَّ هذه البلاد متمدنة ..جميلة ومليئة بالصناعات /اتتوقعين احترام شعوبنا المزاجية للقانون حقا ..مزاجية متمدنة ..مزاجيتنا مدمرة عليك تخيل ذلك حقا
– هل تعلمين كم أحبُّ الحياة وأعشقها ؟
 أحبّ كل مايُشبهها .. المجتمع المدني مثلا يحملُ رائحتَها ..أحب كل معالم الحياة أحب الأحياء وأنبذ الموتي ..
أتعلمين انني عادة أكتب فترحل الكلمات ..
لكن رجاءً احذري فهنالك بعض أنواع البشر تخلعُ خلفَ البابِ قناع اللطافة لتشتمنا مثلَ عاهرة  ..
قاطعتني قائلة ..
أنا حتى اﻵن لا أعرف دينك ؟…
انظري ما أوسع ابتسامةَ الله حين يضيءُ قلبا مظلما..
قاطعتني للمرة الثانية
عِدني فقط أنك لن تموت …
عدني ان تكون ذكيا ولا تسمح لنفسك الشرهة أن تقتلك لأجل فكرة ..قلت
حسنا لن أموت أعِدك …
سوف أدرب نفسي علي نسيان في أي بلد أنا.
لعلي بذلك أكون قادرا علي اشتمام الكوكب كله..
لعلي أتمكن من تنفس عزلتي وحيداً..
احمليني ايتها  الفراشة على جناحيك..
وتأرجحي بي محلّقةً بين أغصان النسيم ..
 و ثقي بأنني سأعرفُ دائماً أنك ملاكٌ و أنّ قدومكَ إلي كان نزولاً من السماء السابعة ..
فلا تقلقي ..
انهيت كلامي ثم رحلت وكأنني ولدت من جديد ..

الشياطين الخمسة

الشياطين الخمسة
تكلمو علينا كثيرًا تكلمو اكثر مما تكلم الجميع، نعتونا بكل المسبات، قالو أننا نحن الأربعة من الشياطين كنا نسكر في الغرفة المظلمة ننتظر السفر في السماء كالطير الحر ولكن اجنحتنا تمزقت، قالو إننا سقطنا ونسوا كل اللحظات التي كانوا يرافقوننا بين السماوات العالية، أو تلك العوالم الساحرة وكاننا نتمرد علي الحلال، الضوء، الريح، وقضبان السماء العالية؛ بأصابع من فضة قبل الظهيرة منذ الفجر بل قبله بقليل، كنا نحن الخمسة من الشياطين حقيقة.. نسكر، نعربد،. نعوي، نرقص، نطلق النار على اسود السماء، من الأفكار الراديكالية البذيئة، ثم نطلب من السماء العالية قليلا من الضوء النيء، لنتقيأ السم الأسود الذي بدواخلنا المغولية، رغم أن نوايانا الداخلية لم تكن كذلك، إلا أن مجيء شيخ السماء بتلك المازدا السانفورة، أعاد نوايانا الى الصواب..
سرب الأسود الذي صادفناه قبل السماء الثانية عند وادي الحسد لم ينج منه نفر، اربع خرطوشات قضت على تلك الحياة التي للأسود برمتها، الحياة -بسيطة هكذا- مع اسود السماء.. صيد.. نار..عرق وحسد..
الشيخ جابُ الله، يقول: السماء العالية، زينة من زينات العـرب وجوهر علوها في يسارها..
الشيخ أحمد -أي أنا-  يقول: سماؤك على سماء اختك رائحة البعر تفوح من حلمتيها..
الشيخ البدري، يقول: طيزي..؟ هل ذقت حلمتيها حتى تشم رائحتهما؟
الشيخ سالم يقول: ياعرصات دعونا بشأن الأسد الحر..ان الله.. يسمع الهراء.. يقرأ النوايا الوسخة كأصحابها.. ويعاقب..
الشيخ مالك يقول: أخواتكم على زبر الحمار.. أبوها شيخ قبيلتي باعلي سماء.. أتبغون رصاصا في جماجمكم أيها الحكاكي؟
السماوات العرصات، الشياطين الخمسة، الذين التهموا سرب الأسود مع ما يعادل “سطلاً” من العرق مع ما يماثله من الماء الساخن كالبول، بعد أن ناموا قليلا -رغم أنوفهم- تحت شجرة الزيتون العجوز، بعد أن تقيأوا أمهاتهم.. زوجاتهم.. وتطرف دياناتهم المبني على التحريم والتجريم.. والقذارة، في تلك اللحظات الملئة بالإثارة في ذاك الليل فوق الرمل الذي للرب، حيث لا أزهار، ولا سماء، ولا اسود؛ -يفكر أربعة من الخمسة- بذبح الشيخ مالك الملئ بالدهن الراديكالي أو بصيده بالمسدس البلجيكي على الأقل، لأن العرق الليبي الوسخ.. لا يُشرب إلا بعد..أو.. قبل تناول اللحم وسيجارة من الحشيش الفاخر -هكذا- فكّر المشائخ الشكشكات في تلك السنة الحقيرة حيث كانوا هائمين على وجوههم في صحراء السماء، ليس كأبطال انما كذئاب من الضجر والملل، اتختلف صحراء السماء عن تلك الجافة هنا؟ أوليس الانسان أكثر غدرا و خبثا من سراب الصحراء..

سلام لن يسود

سلام لن يسود

من خلال قراءتي واطلاعي علي تاريخ العديد من الشخصيات العظيمة المخلدة تاريخيا اتضح لي أن من يملك الهدف والذكاء والقدرة سيمضي إلى هدفه حتى ولو عبّد طريقه بجماجم المعترضين  والتاريخ شاهد فعلا علي ذلك  .

حيث بإمكاننا ان نقول بأن العقل البشري هو الذكاء والقدرة والقوة مجتمعات معا حيث في عالم الكائنات الحية أساس الوجود هو تحقيق الغرائز  وزمن استمرار النوع وبقاءه رهن بنسبة تحقيقها وأهميّة العقل البشري تكمن في مساعدتنا على تحقيق غرائزنا والتي تفوق جميع المخلوقات المعروفة او يمكن ان نقول المكتشفة حتي الان … والعقل دون علم عاجز فالعلم قيمة لأنّه يساهم في تحسين شروط بقائنا كمّاً ونوعاً ولا قيمةَ لعقلك إلّا بمقدار مساهمته في سعادتك واستمرارك وتبسيط الطريق امامك وايضاح الاليات والمسارات التي يمكن ان تسلكها للوصول الي ما تريد .

وربما تكون الفكرة العظمي التي اخترعتها البشرية او لنكون اكثر انصافا الفكرة العظمي ابتكرها الأذكياء المسيطرون علي التاريخ ..اصاحب العقول الحية حقيقة هي السلام..حسنا ربما تكون هذه الفكرة الاكثر سموا كما يؤمن الجميع …

الجميع يتمني من السلام أن يسود ولكن يسود السلام ما دامت كميّة الطعام غير كافية للجميع ومادامت تخاريف الماضي تحفر عقولنا وموروثات الزمن البالي تحجر عقولنا في غرفة مظلمة …

افكار قديمة ..افكار ميتة ..الأفكار التي يكدسها العقل من خارج الطبيعة والزمن الحالي لا تزيد عن كونها هلوسة لا تزيد عن كونها انحطاطاً عقلياً وفسادا يخلّف المزيد من الهستيريا ناهيك عن أنّها تثير الكراهية وتسبّب المزيد المزيد من الحروب.

لا شيء يمكن رؤيته بهذه الافكار القديمة غير المستنقع وإذا ما ظهرت رؤوس البعض المميزة المسكونة بعقول حية لاستنشاق الهواء . تفاجئك أقنعتهم المتشابهة  لكنّ هذه الأقنعة لا تحجب اختلاف الأصوات التي تخرج مع كل زفير وشهيق  أصوات لا تجانس فيها ولا رحمة وتتساءل : هل من يعيش في مستنقع ؟ يعرف ما هي حقيقة المستنقع حقا ؟

حسنا ربما لم يكون كلامي واضحا وهذا ما اسعي اليه حقيقة لكن الشيء الوحيد الذي يمكن ان اطلق عليه واضحا هو انه عندما يكون المجتمع مشوها بما فيه الكفاية لدرجة أنه لا يقيم وزناً إلا لسلطة المال أو نفاق السياسة أو فتاوي رجال الدين والعيش علي خرافات القدماء فأين ستجد مفاهيم البراءة والطيبة والسلام  وحسن الظنّ مكاناً آمناً يحميها النباح أو العضّ او الدعس بالأقدام .. ؟ أليست بنات كلاب أرحم على الكلاب من أبناء آدم على أبناء آدم  خاصّة عندما يتمظهر التلاطف ويتقنّع التكالب ويقدس النفاق ؟

ألا ما أكثر ما تتخفّى وراء موسيقا الأصوات الشجيّة نبرات العرير المفترس للوحوش البشرية وانيابهم المغروسة في العقول النقية ..

الا ما أكثر الدمي البشرية و أتعس العقول الغبية وما اقسي العيش بقوقعة الماضي في تلك الجزيرة البعيدة …

 

علي طبيعتي

علي طبيعتي
سأكون إنسانًا جديدًا، وربما سأغدو أفضل، سأُعيد تشكيل ذاتي وفقًا للظّروف الراهنة، فيبدو لي أنّها أيامٌ عجاف وقد تستمر أكثر وأكثر، فلا شيء يُنذر بالأمل، وماعدا ذلك فهو سُخف وحلمًا ورديًّا..
سأتشكّل كالآتي: سأنزع نظاراتي من على عيني، وكذلك الخاتم من على سبّابتي، لا حاجة لي بهما، فصوت صاروخ مثلًا لن يهتم لانعكاس نظاراتي أو للمعان خاتمي، بكل الأحوال سيسقطان.
قلم حبري الجاف ذو اللون الازرق، وعلبة سجائري الحمراء ايضًا سأضعهما بعلبةٍ سوداء إلى أجلٍ غير مسمى، لن أحاول تزوير ذاتي أو أبالغ في وصف عباراتي، واستجلاب الجمال من عيونِ الحرب، فهي بشعة، ولهذا سأقابلها كما أنا، ليس ببشاعة بالتأكيد، وإنما طبيعيًا كأنما جئتُ للتّو من رحمِ الأرض؛ لن تُقرع طبول الحرب حتى أستعد وأجهز ذاتي، كأن أبدو طبيعيًا وفي غاية السلام، لأنّني حتمًا وقتها سأكون مشغولا في البحثِ عن الماء، أو أُوقِد شمعة.
لستُ شابًا مدللا، فقط كنت أحاول تدليل ذاتي، لكي تعيش بسلام، فشَعْري بدا يتساقط وأمسيت أنزعًا، ولا حبيبة تنتظرني لكي أغازل جمالها الّذي تعبث به رياح الحرب… سنكون أكثر حِرصًا وتقشّفًا، سأحرِص على الماء -والّذي تم تعبئته لأيام القيظ والشقاء-، هي الآن تبتسم لنا، قد جئتكم يا أحبّائي، سننام جميعًا في غرفةٍ واحدة، مثلًا في الغرفة الّتي لاتُطل نوافذها على زاوية الحرب وأصوات المتفجّرات، سنُصبح أكثر قربًا حين تلتحم الأكتاف وتزدحم الأنفاس، لايبدو الأمر سيّئًا نوعًا ما.
لستُ متفائلا ولا متشائمًا، أنا لا شيء، حتى إنّني لم أعد أُفكِر ماذا سأقرأ بعد أسبوع حين أنتهي من قراءة رواية ما، كذلك لا أخاف فقلبي أصبح أكثر قسوة وجلادة.
سئمتُ من القرارات، وسئمت من الإتفاقات، سئمت من السِلم والحرب، من الجنّة والنار، والظلام والنور، والحب والكره سئمت كل شئ، نقف على الخراب، ونكذِب: “أنّنا بخير”، تستمر الإتصالات والإستعلامات، نُثرثر كثيرًا ومن ثمّ نبتسم، مسحوقين تمامًا، وتُرهِبنا تناقضاتنا، حينًا نُغنّي وأحايين كثيرة نرقص ونصفق، نعبث بهذا الخراب و نجعله نكتة سمِجة تُضحِكنا، ونضحك على أنفسنا كثيرًا وطويلا طويلا…
الشيء الذي لن يدخل ضمن إعادة التشكيل، الكتابة، نعم سأحاول أن أتدرّب أكثر على كتابة النصوص، سأخترع موسيقا جديدة للكتابة، سأكتب عن كل شيء، وسأناقض كل شيء، أكتب عن الحب يتلوه كُره، وعن النار ويُطفئه ماء، سأكتب عن صديقي الذي يشرب القهوة طوال اليوم. وعن السماء التي تنجب ابطالا، سأكتب عن حبيبتي التي لم ولن تأتِ، والقصيدة الّتي لن تنضُج، سأكتب في ليلة حرب كل الشقاء وفي اليوم التالي سيعم السلام كحلمٍ جميل، وسأنام طويلا، وربّما لأبد الآبدين.. لعلي أرتاح!

ألف أغنية

ألف أغنية
ألا تعلمين أني من أجلك قمت بعمل المستحيل؟..
حسنًا، أنا الآن في محاضرتك، أنا أستاذ تعيس، طالب أحمق، وشاب طائش تمامًا، ولا أملك حتى بضعة أهداف ذي قيمة، أدخلُ قاعة المحاضرات، في يدي كوب قهوة، أو ربما قد يكون مزاجي جيدًا فأحملُ حقيبة علي ظهري، أدخل إلى قاعةٍ مزخرفة تفوح منها روائحُ وورود مخبأة في المقاعد كنحلة في بساتين مزهرة!
محاضرة تملؤها الفتيات العاشقات، من لا يحسنّ وضعَ المكياج: عيونهن بائسة، لا ينتفن حواجبهنّ بالطريقة المثلى، ويكتبن الرسائلَ بلغةٍ ركيكةٍ وفاتنةٍ جدًا. في المقعدِ قبل الأخير، تكونين أنتِ.. ممشوقةً، نحيلةً، ودون مكياج، وجهُكِ يثيرُ بي رغبةً بالهَرب خارج المدينة، خارج الكوكب والزمان، إنني أفكّرُ بينما أكتب عنوان المحاضرة بذلك الخط الباهت -أفكر بشيء واحد، لا ثاني له- كيف يمكنني استدراجك إلى قاعة ثانية خلال اول فرصة، لا شيء أرغب به أكثر من استدراجك إلى هناك، كي أحدثكِ عن نفسكِ طويلاً: عن أصابعك النحيلة، عن شامتِك، عن شَعْرك المزاجيّ، عن ساندوتش شاورما قد أكلتهِ ذات صباح ومسحت بقاياه ظانة أن لا أحد رآك!، عن إلتواء خصرك الذي يجعل الجميع يتسمّرون أمام باب القسم راغبين بأن يخطفوك وأن يركضوا في فضاء جسدك مثل كواكب مهزومة، مترعون بالخيبة والأسى، هم مثل أنابيب نفط طويلة قام بإقفالها الجضران، منسيون مثل دستور 1951، وعاديون مثل نملة تجر ما تحصلت عليه من بقايا الحلويات، وأنا أريد ما يريدُ الجميع… أريد أن تقرأي لي اسمي في عشرة أسطر، في كل سطر منها ألف بابٍ إلا باب. السطور المتعلقة بالرذيلة أحبها، فرجاءً حاولي تمريرها برفق و التركيز عليها، لأني أريد أن تختبري قلبي في زخرفة اسمك، لدي قلم وبضع ورقاتٍ من النوع الذي يجعلُ يدك مرتاحة حين تكتبين، ويجعل قلبي يشرب حبرَكِ كلّه، أريد خلال ختام الفرصة وبينما تنقض شفتي علي شفتاك، أن تخبريني  شيئاً ما لا أعرفه عنك؛ أخبريني عن حبيبك الأول مثلًا، أخبريني.. كيف تشعرين حين تستمعين إلى الصافي وبونقطة، أو إليسا كأغلب الفتيات، حدثيني عن منتصف الليل وقت حضور الشياطين وتمكين الأمنيات عندما تتذكرين احداث الصباح كلها وأنا على وجه الخصوص، عندما تتزينين في غرفتك قبل الذهاب الي حفل زواج إحدي صديقاتك عندما تقفين طويلاً أمام المرآة في الحمام، كي تتجملي من أجلي اقصد من أجلهن او أجلهم من حلت عليهم لعنتي جميعًا،  أنا القادم في الثامنة وتسع دقائق، المحاضرة الأولى، فاتحة الصباح.
في قلبي ألف أغنية وفي جسدي بقايا حرب وفي عقلي تدفن الحكايات..