نحيبٌ على أطلالِ الأمس الحزين

نحيبٌ على أطلالِ الأمس الحزين

في هذه الحياة القاسية وفي ظل الحرب الطاحنة التي نشهد أحداثها لم يعد شيئًا يغريني البتة سوى لهاثٌ محمومٌ حار خلف بكاء فخم، أنتحب فيه وأقذف بكائي الفاخر صوب أمسي الكئيب وحاضري المنتهي.
ذاك الأمس الذليل الذي زرعت في غدرانه وروابيه فحولة السلام الزخمة، تلك الفحولة الشيطانية التي كانت تقصي الجميع عزلة نحو سفحٍ ما، ليمارس الأستمناء على فخذ امرأة اسمها بنغازي، أبيض لمحته عيناه في زقاقٍ ما وهو يسترق النظر من شقوق الأبواب، أو انثناءات جسدها المكتنز الذي يبرز مفاتنها -وسط البلاد والصابري- من تحت فستان رخو نام عليه، كان الأستمناء الطريق الأسرع والأقصر للوصول الى جسد هذه الفتاة الشهية، المسماة بنغازي. وكان خياله المراهق الدفوق دائمًا، ما يأخذه الى مكان خصب فواح في جسدها الأخاذ. عندما يضع وجنته فوق بطنها الرخو عند مهبط السرة -الليتي والهواري وبوعطني وطريق المطار- و يتشممها كزهرةٍ من الشهوة تزهو برحيقها ليغفو هناك عليه الى الأبد ويصرخ آه ياه يا متعتي الأبدية يا الله انا اسمي سلام وبنغازي معشوقتي من أريد.
ومن فترة ليست ببعيدة كثيرًا، وككل النهايات الحزينة صار الخلاف، وباء زواج السلام بمحبوبته بنغازي بالفشل، والطلاق كان الختام، وماهي إلا فترة حتي أصاب السلام العجز، رذل عمره، وأصبح شيخًا كبيرًا وإذ بمحبوبته بنغازي تحتاج رجلا يؤازرها.
لحظات صعبة جعلته يبكي، ويناجي نفسه وكل الذكريات: أهٍ يا أمس الفحولة، أين رحلت؟ يجب أن أبكيك لأنك تستحق البكاء، أيها الفخم، يا فحولة الأمس المقدسة، لو كنت أعلم اني سأحتاجك اليوم، لما قذفتك مجانًا في تلك الأوديةِ العجفاء!
أمرٌ يستحق البكاء عليه، واللعن أيضًا. قال: أكان قدري المهذب أن أمارس استراق السمع وتلصص النظر للحصول على زوادة للأستمناء القادم اللذيذ بعد بنغازي.
دائمًا كنت مهتاجاً كثورٍ أحمق يراوغ أنثاه. أواه لا يمكنني الزواج الآن، وحبيبتي بنغازي يتبادلونها أنصاف الرجال.
لو اني أدركتها منذ حين لأظهرت لها نعمة الرجل: نعمة الأمان والسلام..
نحيبٌ على أطلالِ الأمس الحزين

Advertisements

الوان أخرى

الوان أخرى

في كل يومٍ حدثٌ جديد، وكلما جد جديد أتساءل: تي عنجد أمهم بكل كيف اقدرو ايديرو هكي، كيف إستطاع القاتل أن يفعل فعلته؟ السؤال ذاته يتوارد لدى عدة أطراف، مع اختلاف تفاصيل الجريمة ومحاولات الأجوبة مكررة كالمتعاد: تخلوا عن إنسانيتهم، ليسوا بشرًا، مخلوقين من الكراهية، حمقى، مجرمين الخ.

في بنغازي، مدينتي الحبيبة، لا يُنسى بالنسبة لي: الانقسام الخرافي الذي حدث في النسيج الاجتماعي سابقًا. لم أكن أفهم كيف أصبح أحد أصدقائنا -وهو صديق لطيف بالمناسبة- قاتلاً؟ وذاك الصديق وذاك القريب وذاك الحبيب  والأخ… عندما يتحول شخصٌ تعرفه إلى قاتل، فهذا يجعلك تتساءل إن كان بالإمكان أن تمسي كذلك أنت ذاك القاتل؟ البارحة كان جزءً منك، وتستطيع أن تتبرأ منه كيفما شئت، لكنك تشعر أن هذا الجزء منك قد تحول لقاتل، وليس من السهل فهم تحوله ولا تقبله ولا التعايش معه، -بجديات شن اللي صار ما تفهم شي- سأستخدم تفسير كولن ويلسون لتفسير الحالة..

“يكون الإنسان قادراً على قتل إنسان آخر عندما يفقد هذا الآخر الصفات التي تجعل منه بشراً بنظر الإنسان الأول.”

يصبح شيئًا آخر يصبح دمية، إنه ليس أنا ولا يؤثر بي ما يحدث له أو معه. ما حدث في بنغازي هو تمامًا هذا الشيء، الكارثة وقعت، والليبيين في كل يوم يموتون على أيدِ بعضهم البعض، بدأ من بدأ، وانتهى من انتهى، سيكون السؤال المنطقي الآن: ماذا أفعل أنا كليبي؟ أملك من الحزن والخذلان والعجز ما لا أقوى على حمله؟ الحقيقة أننا نحن لم نتغير ومازلنا في موقعنا كبشر، ولكن هناك كم كبير من الناس التي اختارت طريقها في العنف، لا نستطيع أن نفعل شيئًا يذكر.
نستطيع فقط أن نصمت إن لم نكن قادرين على قول سوى ما يزيد هذه الإشارات التمييزية بيننا، وأن نتذكر أن كلماتنا “البريئة” وشعاراتنا وكل ما نطالب به، قد يكون السبب بقتل أحدهم، له أم، وربما أولاد وعائلة.

بوسعنا أن نضيف لونًا جديدًا لأرواحنا. قد تتزايد الأرواح الملونة، ويصبح الأبيض والأسود هما الشاذين، أتدرون كيفية تلوينها؟ كل حبٍ، كل جمالٍ، كل فنٍ وأدب، هو فعلٌ ضد الأسود والأبيض، والرمادي: لونُ الحمقى من لا يملكون مبادئ.  كل فعلٍ خَيْرّ يخدم في إطفاء هذا التمييز الذي نعانيه ولو قليلاً، أو يخدم في عدم زيادته والتقليل من وحشيته. كل تذكيرٍ بالمشترك، يخدم هذا.

إن محاولة بناء أرضية مشتركة قابلة لإحتضان الجميع، لم تكن يوماً مهمة الساسة، ومن المؤكد أنها ليست مهمة المتطرفين، فمن وجهة نظري انها مهمة الفنانين والأدباء والبسطاء الذين تهمهم الحياة فقط. وأنا وأنتم نعلم أن هناك من يقوم بذلك بصمت، ومن غير أسلوب المباشرة الذي أقوم به الآن -والذي لا أبرع بسواه مؤخرًا- هم فعلاً يقومون بعمل
جميل، ومذهل ولن أذكر اسماء، فالكل يعرف من هم سواءً لازالت صداقتنا أم انتهت علاقتنا وتغللتها المشكلات،
حديثي ليس للنقاش، ليس للحديث عمن بدأ، ولا عن الظلم، ولاعن البرد، ولا النزوح، والتخوين، ولا عن اي شئ اخر.
حديثي خُلِقَّ في داخلي نتيجةً لسؤال: ما الذي ينتظرنا بعد كل هذا؟ وأيًا كانت الإجابة فإنها غير مرضيةٍ بالنسبة لي. لا أستطيع الجلوس هنا، والاكتفاء بعدّ الشهداء والقتلى، أو اللطم والانتظار، لأنني لا أقدر على فعل شيء، ولا
أستطيع تبني أفكارٍ لا أؤمن بها، لا أؤمن بالعنف -رضيتم أم لا- لا أفعل، ولن أفعل أبدًا، أؤمن بـ”أثر حمامةِ سلام” أكثر مما أؤمن بأثر طائرة ميراج او رافال.
لا أعرف كيف أنهي كلامي كما أني لم أكن واثقًا من بدايته، على أمل أن تكون الفكرة قد وصلت وأن لاندخل في نقاشات يومية مملة لا طائل منها.
سلام هو ما اتمني وسلام ما سأكون.

مصالح ضيقة

مصالح ضيقة

عجبي على أولئك المتكئين بزهوٍ مسترسلين في مدح أفلاطون وسقراط وأرسطو العظيم، وجاليلو وآينشتاين و فرويد وحتى المعري والمتنبي وابن سينا وخلدون، ومن لفّ لفهم، وتفلّك في فُلكهم ونهل من حكمتهم، يرفعونهم إلى ما فوق الرؤوس -وذاك ما يستحقون أكثر منه على أي حال- لكن اترهم نسيوا أنّ هؤلاء كانوا و ما زالوا يمثلون حرية الرأي والفكر، والجرأة في معارضة الواقع والرأي الواحد الواقف حجر عثرة في مجرى نهر الحياة، الرأي الأوحد الواحد الحق، هم ليسوا بالناتجين لإنسانا حر، فهم يستصبرون على عقلٍ وفكرٍ حر، ولكن ما أن يخالف أحد سكونية الرأي السائد أو يعارضه ويفضح مثالب الواقع المتهالك وأزمتنا الشبه أبدية، حتى وإن كان من أردئ الأحوال في العالم فهو عندهم أول المارقين وآخر الذاهبين إلى الجحيم.

إنهم ألذ أعداء أفلاطون وأبو طون وأم طون واخوه، وكل من فيه ذرة فكر واحدة مشابهة! بل هو ألذ أعدائهم.

هم من قتل سقراط واخوته في أثينا قبل أكثر من ألفي عام، وهم من لاحقوا نسله ومدرسته وتلامذته ومريديه جيلاً وراء جيل، هم من يقتلونه الآن عشرين مرة.. الأحرار المعتقلين، والمطاردين المظلومين، والعقلاء المنبوذين الذين يتجرعون السمّ في المواقف الصلبة كالحديد.

يا للوقاحة، يرفعون كؤوس الموت على أنها كؤوس الخمر ويلوحون بمفاتيح السجون على أنها مفاتيح الجنان ويمهرون بطاقات التزوير والتكفير و الاتهام على أنها بطاقات الولائم وحفلات التسامح، ويتشدقون بالأقوال الرفيعة والنظرات الحكيمة والفلسفات العاقلة وعيونهم على المصلحة الضيقة والأنانية المريضة ومغريات الفساد.

من أين لكم بكل هذه الجرأة في الوقاحة و الادعاء والتزوير والتناقض الدنيء، من أين؟ رجاءً أجيبوني .. أواه حسنًا لا تجيبوا! أتتوهمون أنني لا أعرف بما ستجيبون؟

الفوضى

الفوضى

كل شئ مباح في الفوضى، وما من حلٍ للمشكلات، ضاعت أحلامنا بين حرية جاهلٍ وسكين مجنون؛ ففي الفوضى الخلاقة دائمًا ما لا تقل خطورة الحرية في يد الجاهل عن السكين في
يد المجنون، فعند انتشار الفوضى مدعومة بالجهل داخل مجتمعٍ مترابط بخيط عنكبوت عجوز نصب فخه، يوقعهم جميعًا فيه ويسجنهم بكل الأسلاك، خيوطٌ ماهي إلا أفخاخ؛ مجتمع تسود فيه الأمية بشكل كبير، يختلط به الحابل بالنابل، وتنتشر فيه الجريمة والابتزاز.
بغض النظر عن النوايا الطيبة، فالطريق إلى الجحيم مُعبدٌ  بالنوايا الحسنة، ولعل قصة الدب الذي ألقى حجرًا على رأس صاحبه حتى يُبعد  الذبابة عن أنفه، خير مثالٍ على هذه النوايا النصف حية -المرصعة بالجهل- لقد أبعد  الدب الذبابة عن انف مولاه، لكنه شجّ راس صاحبه وقتله!
حسنةٌ هي نوايانا، ونحن نصف أموات؛ هناك، في الفوضى كل شيء مباح ومتاح، تحت ناظرنا وداخل كل الأبواب، فوضي تعصف بكل البلاد، ولن يسلم منها حتى أولئك الذين بَشّروا بها، وسهروا على نشر ثقافتها، فهي عمياء، لا هدف لها.
الهدم أسهلُ دائمًا من البناء، كم خسرت البشرية من أوابدها بسبب الجهل، باسم الحرية ارتكب المجرمون أخطاء جسام بحق بشريتنا: تدميرٌ، وقتل، حرقٌ، وغرق؛ الدماء أغرقت كل الأشياء، لقد دمّر قباطنة التخلف والشر، معالم الحضارة والأوابد التاريخية، والتراثية، والتي يفترض فيها أنها أمانةٌ في أعناق أبناءِ العصر ومن قبلهم وبعدهم، ينبغي الحفاظ عليها، صَونها من كل الذئاب، لكن عتاة الفوضى الخلاقة والحرية المزوّرة، دخلوا باسم الحرية كالفيلة، في متجرٍ للخزف، يعيثون دمارًا وإلغاءً  وإقصاءً.
كفى ابتزازًا أيها السفهاء باسم الشعارات، باسم الحرية والديموقراطية والطفولة، كفاكم نسفًا لانسياتنا. كفاكم اراقةً للدماء.

موروثات

موروثات

من ذا الذي قال أن الآتي قادم، وأن الماضي لن يعود؟ تتكلّمُ لأراك، وحتى لا تراني. ليس الحب وحده هو الموت، بل الخوف. كم ولدنا مرةً ومتنا من .غير حب، كم نضجنا وكهلنا: خائفين، وحيدين، تتخبطنا دوامات الحياة، تأسرنا التقاليد، و تسجننا كل الموروثات

ما نفع  ذاكرتنا حين تكون المرايا من رماد؟ أراك قادرًا على سحق كل شيء، حتى الورود، بقدميك تدعس كل الأزهار؛ لِمَ لا تظهر ملائكتك إلا في الليل؟ ولا تظهر أصنامي إلا في النهار؟ الهي ما كل هذه الافكار!؟

كم تَحْجُبين أيتها الاسماء من أشياء؛ خففي ضغطك على عنقي أيتها الأصابع، وكوني كنحلٍ فوق الأزهار، كوني غيومًا ماطرة، لترقص أجنحتي تحت المطر، لأبين ذراعيْ للموت؛ لن يضير المرايا  شيئًا، ستبقى أنتَ، أنتَ.. سواءً  فتحتَ عينيكَ أم أغمضْتَهما، قبضت يدك أم بسطتها، وراء كل ممنوع، هناك مرآة لأحزاننا، تُرى ما لم نقلْه من كلمات، كيف لا ورب السماء خلق من النفس أزواج؟ من ذا الذي قال أن الآتي قادم، وأنّ الماضي لن يعود؟ ألست أنا المنتمي لليوم، منتمي للبارحة؟ كم عاتبت نفسي وبادرتها دون إدراك؛ هل استطيع تفسير العالم بالكلمات وحدها؟ لقد امتلأت حناجرنا بالحصي وكل العثرات: موروثات، موروثات؛ مشكلاتنا موروثات.

ما نفع أن يصير أحدنا غير قابلٍ للحب؟ لا نفع للحياة دون حب، ولا نفع للحب دون كلمات، كل قصيدة لم أقلها لا أستحقها، وهذا الذي يقول ولا يفعل، يقتات من لحمي ويشرب من دمي.

موروثات ..موروثات.