الغائب

لكل شخص منا طبيعته الخاصة به طبيعة معقدة و دقيقة أكثر مما نعرف عن أنفسنا نحن نكن !

و أكثر مما يعتقد الآخرون أنهم عرفوا عنّا و مع هذا تضل كل لحظةِ نعيشها هي حقيقة سواء حلوة كانت أم مرّة ومع مرور الوقت نجد ان لكل لحظة خصوصيتها الغامضة حيث يخطر على بالنا رغماً عنا شخصٌ غائبٌ قريب من روحنا – غائب بفعل اختلاف المكان او بسبب مشاكل الحياة أو الموت – نتمنى لو كان موجوداً و نعيد و نكرر و نحن نخاطبه في سر سرّنا :”يا ليتك كنت هنا .. يا ليتك كنت هنا ” هنالك شخص قريب غائب دوماً ينقصُ حضوره ليكتمل المشهد ، و بمنطقية التجارب ما من مشهد مكتمل أساساً .

داخل كل منا هناك شخص مفقود شخص غائب نعطيه من الصفات و المواهب ما لا يمكن لغيره أن يملك يفهمنا بطريقة و سرعة لم ولن يصل اليها سواه يشاركنا لحظات ضعفنا و قوتنا حزننا و فرحنا بطريقته الفريدة و سحره الخاص وغالبا هو نفسه لا يعلم سرّ هذه الخصوصية حتى و لو حاولنا ايصالها بمفرداتنا و أسلوبنا .

و هكذا نكبر ويكبر معنا ذلك السؤال الغامض .. هل شخصنا الغائب يحمل حقاً هذه الأهمية و هذا المكان المميز جدا ؟ أم أننا لا نعرف التعامل مع المشهد المكتمل و لم نكن مستعدين له أبداً فنبتكر له نقصاً إفتراضيا يدفعنا دائماً نحو المزيد من وضع اللوم على الرف علنا نرتاح ام ان الحزن القادم من غياب هذا الشخص هو ردة فعلنا الأولى تجاه أي لحظة حقيقة ؟ يا ترى هل الحزن هو الابن الشرعي لكل اللحظات الحقيقية أم اننا نحتاجه لأننا نريد أن نعطي اللحظة جانباً رمزياً مقدساً ترتقي عن تفاصيل حاضرنا أم أننا لا نثق بما لدينا فلنجأ إلى غائب بعيد مُتَخيَّل لنمتلئ بطاقة جديدة من تفاصيل الحياة ؟ او ربما يكون السبب حقا هو أننا نبحث دائماً عن المزيد والمزيد من المشاركة في لحظاتنا الحقيقة و كأن لذة المشاركة هي نفسها الطمع الذي لا سقف له أبداً .

هناك غائب حقيقي أو متَخيّل نحتاجه دائماً لسبب ما لا يهم أبداً أن أعرفه الآن ، ما يشدني فقط هو أن أتخيل حجم العالم الغني جداً و المختفي خلف تلك الكلمات الخفيفة ” احلى الأيام كانت معاكم …” فأين انتم وماذا تفعلون.

أريدُ الحرية

أريدُ الحرية

في رأسي كلمات موجعة أضعها بين قوسين، على مرأى ومسمع منكم جميعا : أنتم لا تعرفونني حقّاً كما أنا ، ولا تحاولون التعرّف علي بإنصاف ، أنتم لا تفهمون روحي جيداً ، بل ولا تعترفون بها كما هي ، ولا تجرؤن على محاولة فهمها خشيّة أن تفضحكم ازدواجية افكاركم ،او تكون شرارة للتشكيك في عاداتكم ، لا أريد منكم سوي محاولة التجرد من الأحكام الأولي لكي نتقارب ونتراصف مواجهين متاعب الحياة ، رجاء ارفعوا أقدامكم عن حياتي ، اتركوني أموت سريعاً. لن أمسحَ عن وجهي آثار طلقاتكم ، فلازالت الشظايا تزين تفاصيل وجهي بحفر الرصاص . ابتعدو اتركوني أتقوقع علي نفسي و أتكوّر كالأبله بجوار خيمة عزائي في الكرسيِّ الأبيض من طابور العزاء ، أقبل التعازي ، مثرثرا أتحدث عن معاناتي بكل اللغات ، هو الحب من ينقذني منكم ويحملني إلى كتف متعبة مثلي، هو فارس الأحلام بطل قصص الصغر . وها أنا اليوم شكلت من الرمال وطنا من الجمود ، وحينما وفاني الموت انتشلتُ بقايا الحروف الطائشة من فوهة الكلاشينكوف المطوية ، وهي تلامس ببرودتها فراغات عاداتكم المسعورة ،أعرف أن أشياء من هذا القبيل قد تجعلني أبكي لساعات من الهشاشة التي أصبحت تتملكني ومع ذلك لا زلت مبتسما حتي الآن ،و أتمني أن لاتنزعوا الشاش عن جرحي ، كي تأخذو آخر تصريحاتِ، فلازالت اثار الألم يابسة في حلقي، يئن صوتي وحيداً في العراء، وأنا أركض في فلك المجرات الكبيرة، أعبر مساحات الألم من زنقة إلى زنقة ، ومن دار الي دار، ومن خيمة إلى أخرى. و الان اسحبوا موروثاتكم من جسدي ، لأقص عليكم متعة التمرد في دفء هذا الوطن البارد ، ابتعدو لاتكسروا ذراعيَّ، وهاتوا باقة وردٕ لأضعها على جثتي بداخل قبر عاهاتكم ، فلم يبقَ لي سوى رصاصة من حرب، ونيزك سيسقط من السماء بعد حين، أريدُ الحرية.

أين رحلت جميعها؟

أين رحلت جميعها؟

كظل وحيد أعجز عن الخوض في أي حرب جديدة، بما فيها رشفة القهوة في فنجاني الغامق أحركه كيفما أشاء ، أشرب بسرعة علي هواء جاف تماما ، و من ثم أذهب لأعد لنفسي كوبا من الحليب و الشاي ، لا أنسى السيجارتين الصغيرتين من علبة الميلانو السوداء ، و لا ساعتي البنية الجميلة ، و الآن و بعيدا عن تلك الأحكام المسبقة التي أصبحت من عادات البشر وتنظيراتهم عن الحياة والحرية والثورة ، والموت والحب والألم والحقيقة الواحدة، يبدو بأن صباحي قد اكتمل ، أخيراً صار شكلي مناسبا لكل احتمالات الموت والحياة، أتلفت حولي الناس يتبادلون الخيانات، العادات المسمومة والابتسامات ، كل شئ مكرر ، الشارع اليوم يشبه نفسه، الخوف جعلني أراه أقلّ ازدحاما ،الطقس جنائزي بارد ، هو أيضا جاهز لاستقبال الموتي.. كانت شوارع المدينة تسير ببطءٍ نحو حتفها ، وكنت ألاحق خطواتها من نافذة السيارة ، أطيل النظر في السيارات المركونة على جانبي الطريق سائلا ، من أين يأتون بهذا اليقين الصلب الذي ينظرون من خلاله للعالم الذي يتداعى يوماً بعد يوم تحت أقدامنا ، من أين سيخرج الأمل؟.. أغمض عيني ،تتداخل المراحل ليبدأ التفكير وأتذكر حينما كنت شخصا آخر، شخصا يؤمن بأحلامه كنبوءات محققة لا كصمغ جائر يثبته ليلا بإسفلت حياةٍ سابقة انتهت منذ زمن بعيد ، أتلفت حولي أحاول إحصاء الكلمات التي أسرفتها خلال حياتي ، يا تري أين رحلت جميعها؟ و التي لم أقلها ماذا سيحل بها إن أنا رحلت قبل أن أقولها؟ أفتح عيناي أبتسم لفتاة بشارع فينيسيا “السيراتو الحمراء بذكاء شهرزاد ودليلة “، لا أسمع الا موسيقى أنفاسها ،لا يمكن أن يقع مكروه في حضرة شخصيتها القوية.

بين جدران العصية

بين جدران العصية

 

في الحياة كل شيء يتغيّر ،الحكام، الحبّ، أرقام الهاتف، الأفكار، الأوطان، و حتي الأصدقاء،كل شيء يهترىء ولكل شئ نهاية .. في يوم من الأيام كنت أعيش بغير هذه المدينة، رغم أنها ذات المدينة،السلام والحرب بدلها ، بدل شوارعها التي لطالما تنمرت علي الجميع، وغير من اتجاهات سيرها باتت تأخذ جيئة وذهابا ،اكتنفني التيه وبت لا أعلم الطرق والوجهات بعد أن كنت عليما بسراديبها،لم أعد مألوفا بت غريبا عنها، وكنت كلما وقعت، أمد ذراعاً لنفسي لأقف من جديد.. كنت ولداً بنغازيا وحيداً.. يواجه مدينة كاملة تطلق علي نفسها لقب “العصية”. مرت السنوات بسرعة وقامت ثورة ومن بعدها حرب كبيرة، وأدركت أن هناك أناساً آخرين عند انتهاء طريق “بنغازي “، وتعرفت على بنغازي الجديدة ، كنت وحيداً أيضاً، إنما في مواجهة مدينة جديدة بحالها، بشوارعها ووجوها، وأبنيتها المتطاولة عن قامة منزلنا في “الهواري”،وجدرانها المحفورة بالذكريات وحفر الرصاص تأن قائلة “لقد مرت الحرب من هنا ” وحيداً.. أواجه هذه الأحجار الكبيرة المملؤة بالشضايا ، وأبحث في شقوقها عن نصوصي الضائعة، كنتُ مسلحاً بالتفائل وسجائري الرديئة. عندما كبرت، توقفت عن المواجهة، سلّمتُ أقدامي للطريق دون أي تفكير، وانشغلت بهاتفي المحمول وفتح أمامي باب الكآبة .. ومنذ ذلك الوقت، لم أصل إلى أي مكان، ولم تأخذني الطرق إلى أي قبلة للجمال، إلا صدفةً، حين انشغل العالم عني، وساقتني الطرق إلى حبيبتي ، بعدها سلمت لها ما تبقى مني، إلا أنني بقيت متجاهلاً مواجهة ما يسمونه العالم، وغالباً عند أي قرارٍ مصيري، أمدّ مؤخرتي له، وأتابع انشغالي بهاتفي المحمول، أو إلقاء نكاتي القديمة على حبيبتي، التي دائماً ما تضحك عليها للمرة المئة. علي كل حال. أنا بصحة جيدة بجوار مقبرة الكومنولث بمنطقة الرحبة ، أشرب الألم كل يوم، أنا وأفكاري برفقة الغليون و سليمان كانون.. وأنتم كيف حالكم ،اعذروني فلم أكن أراكم ..

كن بلا عقل

كن بلا عقل
’’كن عاقلاً، وابتعد عن الكتب، المدنية حلمٌ زائف!‘‘ تتكرر على مسامعي هذه الجملة من الإرشاد الملتبس الذي يحمل المضمون المعاكس تمامًا لظاهر كلماته، كن بلا عقل خاص بك، بلا تطور، بلا مبادرة شخصية، شابه الجميع واختر عصفور اليد المتوفر بدلًا من ملاحقة أوهام عصافير الأشجار -ما يسمي بالمدنية-.
في ذلك الظلام في تلك الغابة المقيتة حيث تعيش الوحوش الضارية يحزنني كثيراً غياب وجوه أناس كثر كان وجودهم يمنحني أملاً بانتصار الإنسان المتطور منتج المعرفة في الغابة الشريرة. في تلك البقعة يتجسد عالم صغير من الاستبداد الذي يحارب المعرفة ويمقت الكتب وكل نور يهدد وجود الظلام.
لم يعد لدي شيء أكرم به المثقفون الراحلون ربما أفضل ما يمكنني اعطاءه للمفكرين ومنتجي المعرفة ليس الرثاء وذكر حسناتهم وصفاتهم وحسب، فهم كقمر مشع أضاء عالم الأمس و لا يحتاحون مني هذا الرثاء والمديح، بل إن أكبر تكريم لهم هو احترام جهودهم و إعادة قراءة ما أفنو عمرهم وهم يحاولون بذله كي يتجسد لهم عالم أفضل في لحظة الحاضر واستثمار هذه الجهود من وقفات واعتصامات وورش عمل وحتي حملات لتتمكن البلاد ربما بمساعدتهم علي تجاوز هذا الألم والتقدم نحو التطور بسرعة إن أمكنها ذلك.
هكذا حتى وإن سببت لي القراءة والنقد قطيعة مع الماضي ومعه أحيانًا أكون قد استحوذت على شعاع من نورهم ليستمر بعضٌ منه مضيئاً -بشكل أو بآخر- في سماء الأمس والآن وغدا. روح المتمدن الخالصة منتج التغيير هي جهده الذي لايفنى طالما هو في عقلي روح: فأفكار التمدن باقية لاتفنى.

ملاك بمدينة الأشباح

ملاك بمدينة الأشباح
حياتنا أصبحت كشبح يعلق قلوبنا بعادات حمقاء لم تنتهي ..
حينَ التقيتُها تلك المرة لم تكن تبدو أبداً كإمراة ستحدثني يوماً عن الوطن كانت منهكة و تسمّي اﻷشياء بغيرِ أسمائها ..
بادرتها سائلاً ..
 أيعقل ان تكوني شبح أيتها الجميلة ؟هل للأشباح وجود ؟
ابتسمت وحدثتني بكل هدوء قالت :
 نعم تستطيع تسميتي شبحاً فقد سئمتُ عاداتنا المقيدة.. فنجانُ قهوة معك اﻵنَ سيكفيني الي أيد الابدين ..
ثم أكملت حديثها قائلة سأكون امرأة تقليدية علك تعتاد كلماتي بسرعة ..
 سأكمل ما بدأته انت ..لعل علامات الاستفهام تمتلك سريع الأثر في تقريب الكلام ..
أخبرني ماهي المكانة التي يمكن لشخص مثلك الحصول عليها في حياتي ..
بانت علي ملامحي علامات التعجب خقاً ..أجبتها مبتسما..صديق..حبيب..رفيق للدرب أخ توأم لاحتمال الموت كل يوم هو ما اريد حيث لا عمر لي فأنا أحيا بلا ايام  ..شريك في حرب ونصر ضد كل قديم هو ما اتمني الظفور به ..
بنظرة من عيناها الغائرتين تجمد الوقت ..
فلعيناها الف لعنة جعلتني انهي كلامي .. في تلك الزاوية المظلمة ..هجرت حروفي و تاهت مني كل الأغاني ..عاتبت نفسي “لاتشبيه لديك الان “
وكأن حروفي كلها تهرب مني لتذوب في فمها وكنت أتساءل في أيّ عالم سترميني اﻵنَ حين تنطق ..
قلت بداخلي اتعلَّم انها سوف تبكي إن اكتشفت أنك تملكُ سلاحاً تركتهُ تحتَ تلّة الكتب وأنك تخفى الرصاصات في بنطالك الأسود الممزق من منتصفه
كلُّ شيءٍ يصابُ بعدوى الجهل .. قالت ..
كيفَ جرتك عادات المجتمع إليها ؟ .. قلتْ
تخيلي لو أنَّ هذه البلاد متمدنة ..جميلة ومليئة بالصناعات /اتتوقعين احترام شعوبنا المزاجية للقانون حقا ..مزاجية متمدنة ..مزاجيتنا مدمرة عليك تخيل ذلك حقا
– هل تعلمين كم أحبُّ الحياة وأعشقها ؟
 أحبّ كل مايُشبهها .. المجتمع المدني مثلا يحملُ رائحتَها ..أحب كل معالم الحياة أحب الأحياء وأنبذ الموتي ..
أتعلمين انني عادة أكتب فترحل الكلمات ..
لكن رجاءً احذري فهنالك بعض أنواع البشر تخلعُ خلفَ البابِ قناع اللطافة لتشتمنا مثلَ عاهرة  ..
قاطعتني قائلة ..
أنا حتى اﻵن لا أعرف دينك ؟…
انظري ما أوسع ابتسامةَ الله حين يضيءُ قلبا مظلما..
قاطعتني للمرة الثانية
عِدني فقط أنك لن تموت …
عدني ان تكون ذكيا ولا تسمح لنفسك الشرهة أن تقتلك لأجل فكرة ..قلت
حسنا لن أموت أعِدك …
سوف أدرب نفسي علي نسيان في أي بلد أنا.
لعلي بذلك أكون قادرا علي اشتمام الكوكب كله..
لعلي أتمكن من تنفس عزلتي وحيداً..
احمليني ايتها  الفراشة على جناحيك..
وتأرجحي بي محلّقةً بين أغصان النسيم ..
 و ثقي بأنني سأعرفُ دائماً أنك ملاكٌ و أنّ قدومكَ إلي كان نزولاً من السماء السابعة ..
فلا تقلقي ..
انهيت كلامي ثم رحلت وكأنني ولدت من جديد ..

علي طبيعتي

علي طبيعتي
سأكون إنسانًا جديدًا، وربما سأغدو أفضل، سأُعيد تشكيل ذاتي وفقًا للظّروف الراهنة، فيبدو لي أنّها أيامٌ عجاف وقد تستمر أكثر وأكثر، فلا شيء يُنذر بالأمل، وماعدا ذلك فهو سُخف وحلمًا ورديًّا..
سأتشكّل كالآتي: سأنزع نظاراتي من على عيني، وكذلك الخاتم من على سبّابتي، لا حاجة لي بهما، فصوت صاروخ مثلًا لن يهتم لانعكاس نظاراتي أو للمعان خاتمي، بكل الأحوال سيسقطان.
قلم حبري الجاف ذو اللون الازرق، وعلبة سجائري الحمراء ايضًا سأضعهما بعلبةٍ سوداء إلى أجلٍ غير مسمى، لن أحاول تزوير ذاتي أو أبالغ في وصف عباراتي، واستجلاب الجمال من عيونِ الحرب، فهي بشعة، ولهذا سأقابلها كما أنا، ليس ببشاعة بالتأكيد، وإنما طبيعيًا كأنما جئتُ للتّو من رحمِ الأرض؛ لن تُقرع طبول الحرب حتى أستعد وأجهز ذاتي، كأن أبدو طبيعيًا وفي غاية السلام، لأنّني حتمًا وقتها سأكون مشغولا في البحثِ عن الماء، أو أُوقِد شمعة.
لستُ شابًا مدللا، فقط كنت أحاول تدليل ذاتي، لكي تعيش بسلام، فشَعْري بدا يتساقط وأمسيت أنزعًا، ولا حبيبة تنتظرني لكي أغازل جمالها الّذي تعبث به رياح الحرب… سنكون أكثر حِرصًا وتقشّفًا، سأحرِص على الماء -والّذي تم تعبئته لأيام القيظ والشقاء-، هي الآن تبتسم لنا، قد جئتكم يا أحبّائي، سننام جميعًا في غرفةٍ واحدة، مثلًا في الغرفة الّتي لاتُطل نوافذها على زاوية الحرب وأصوات المتفجّرات، سنُصبح أكثر قربًا حين تلتحم الأكتاف وتزدحم الأنفاس، لايبدو الأمر سيّئًا نوعًا ما.
لستُ متفائلا ولا متشائمًا، أنا لا شيء، حتى إنّني لم أعد أُفكِر ماذا سأقرأ بعد أسبوع حين أنتهي من قراءة رواية ما، كذلك لا أخاف فقلبي أصبح أكثر قسوة وجلادة.
سئمتُ من القرارات، وسئمت من الإتفاقات، سئمت من السِلم والحرب، من الجنّة والنار، والظلام والنور، والحب والكره سئمت كل شئ، نقف على الخراب، ونكذِب: “أنّنا بخير”، تستمر الإتصالات والإستعلامات، نُثرثر كثيرًا ومن ثمّ نبتسم، مسحوقين تمامًا، وتُرهِبنا تناقضاتنا، حينًا نُغنّي وأحايين كثيرة نرقص ونصفق، نعبث بهذا الخراب و نجعله نكتة سمِجة تُضحِكنا، ونضحك على أنفسنا كثيرًا وطويلا طويلا…
الشيء الذي لن يدخل ضمن إعادة التشكيل، الكتابة، نعم سأحاول أن أتدرّب أكثر على كتابة النصوص، سأخترع موسيقا جديدة للكتابة، سأكتب عن كل شيء، وسأناقض كل شيء، أكتب عن الحب يتلوه كُره، وعن النار ويُطفئه ماء، سأكتب عن صديقي الذي يشرب القهوة طوال اليوم. وعن السماء التي تنجب ابطالا، سأكتب عن حبيبتي التي لم ولن تأتِ، والقصيدة الّتي لن تنضُج، سأكتب في ليلة حرب كل الشقاء وفي اليوم التالي سيعم السلام كحلمٍ جميل، وسأنام طويلا، وربّما لأبد الآبدين.. لعلي أرتاح!

ألف أغنية

ألف أغنية
ألا تعلمين أني من أجلك قمت بعمل المستحيل؟..
حسنًا، أنا الآن في محاضرتك، أنا أستاذ تعيس، طالب أحمق، وشاب طائش تمامًا، ولا أملك حتى بضعة أهداف ذي قيمة، أدخلُ قاعة المحاضرات، في يدي كوب قهوة، أو ربما قد يكون مزاجي جيدًا فأحملُ حقيبة علي ظهري، أدخل إلى قاعةٍ مزخرفة تفوح منها روائحُ وورود مخبأة في المقاعد كنحلة في بساتين مزهرة!
محاضرة تملؤها الفتيات العاشقات، من لا يحسنّ وضعَ المكياج: عيونهن بائسة، لا ينتفن حواجبهنّ بالطريقة المثلى، ويكتبن الرسائلَ بلغةٍ ركيكةٍ وفاتنةٍ جدًا. في المقعدِ قبل الأخير، تكونين أنتِ.. ممشوقةً، نحيلةً، ودون مكياج، وجهُكِ يثيرُ بي رغبةً بالهَرب خارج المدينة، خارج الكوكب والزمان، إنني أفكّرُ بينما أكتب عنوان المحاضرة بذلك الخط الباهت -أفكر بشيء واحد، لا ثاني له- كيف يمكنني استدراجك إلى قاعة ثانية خلال اول فرصة، لا شيء أرغب به أكثر من استدراجك إلى هناك، كي أحدثكِ عن نفسكِ طويلاً: عن أصابعك النحيلة، عن شامتِك، عن شَعْرك المزاجيّ، عن ساندوتش شاورما قد أكلتهِ ذات صباح ومسحت بقاياه ظانة أن لا أحد رآك!، عن إلتواء خصرك الذي يجعل الجميع يتسمّرون أمام باب القسم راغبين بأن يخطفوك وأن يركضوا في فضاء جسدك مثل كواكب مهزومة، مترعون بالخيبة والأسى، هم مثل أنابيب نفط طويلة قام بإقفالها الجضران، منسيون مثل دستور 1951، وعاديون مثل نملة تجر ما تحصلت عليه من بقايا الحلويات، وأنا أريد ما يريدُ الجميع… أريد أن تقرأي لي اسمي في عشرة أسطر، في كل سطر منها ألف بابٍ إلا باب. السطور المتعلقة بالرذيلة أحبها، فرجاءً حاولي تمريرها برفق و التركيز عليها، لأني أريد أن تختبري قلبي في زخرفة اسمك، لدي قلم وبضع ورقاتٍ من النوع الذي يجعلُ يدك مرتاحة حين تكتبين، ويجعل قلبي يشرب حبرَكِ كلّه، أريد خلال ختام الفرصة وبينما تنقض شفتي علي شفتاك، أن تخبريني  شيئاً ما لا أعرفه عنك؛ أخبريني عن حبيبك الأول مثلًا، أخبريني.. كيف تشعرين حين تستمعين إلى الصافي وبونقطة، أو إليسا كأغلب الفتيات، حدثيني عن منتصف الليل وقت حضور الشياطين وتمكين الأمنيات عندما تتذكرين احداث الصباح كلها وأنا على وجه الخصوص، عندما تتزينين في غرفتك قبل الذهاب الي حفل زواج إحدي صديقاتك عندما تقفين طويلاً أمام المرآة في الحمام، كي تتجملي من أجلي اقصد من أجلهن او أجلهم من حلت عليهم لعنتي جميعًا،  أنا القادم في الثامنة وتسع دقائق، المحاضرة الأولى، فاتحة الصباح.
في قلبي ألف أغنية وفي جسدي بقايا حرب وفي عقلي تدفن الحكايات..

حكاية ميت

حكاية ميت
كلما أتذكر أمسي أبكي، كل ما أشعر به حقًا الرغبة في البكاء، أنا ميت دفن في 2014، فلا تلوموا من يبكي على موته وغيابه، كلما نظرت في المرآة لا أرى شيئًا سوى ذكريات أليمة وعيون حزينة أرهقتها الحكايات..
كلما جلست مع نفسي لا أتوقف عن تذكر العالم والحياة في  مرايا الجمال والحروف، ميتٌ محبُ الحياة، ولأول مرة في حياتي -التي مضت كالسرد التافه- أدرك معنى النقطة الحاسمة في آخر السطر، هذا ليس بالشيء العجيب، فوحده الموت يقتل الكلمات، ووحده الغريب الغامض من يدعس الحروف تحت قدميه، ويخطفها من أفواهنا، ولاشيء يرهق الموتى أكثر من خبث البشر وغدر بعض الأصدقاء. خبثٌ يحول ابتساماتنا إلى أسطورةٍ منسوجةٍ بخيوط عنكبوت عجوز مهترئة معلق على نهاية كلٍ منها بقايا كل الطرائد، وكأنها تذكره بماضيه وكيف كان يمزقها، ويرميها تحت أقدامه دون أي مبالاة. خبث ودهاء يتركنا خارج ذواتنا كموجة تخرج من البحر مصيرها الفناء.. أو كورقة توت تاهت وتقاذفتها الرياح خارج موطنها، نسيت أن أخبركم بأن كلُ ما هو خارج ذاتي ممتلئ بي، سأحدثكم اكثر عن الموتي الأحياء: هم بشر حقًا وليسوا زومبي كما تروج المسلسلات، بشرٌ ضاعت أحلامهم بلحظة غباء، أو غدرٍ من بعض الأشقياء، هم مثلكم جميعًا، عدا أن كلماتهم تبدأ حيث تتوقف ألسنتهم.. أما ترونني أتكلم صامتًا؟ ولا أفعل شيئًا عدا متابعة صمتي في كلّ ما أقول؛ لأنني لا أعرف في النهاية ما أريده وما يريده الآخرون، فَلَو كنت أعلم ما أريد لما  بقيت صامتًا ولما كتبت اسمي على جدار قبري المظلم حقًا، ففي وحشة القبر لن يكون لك من غطاء سوى الكلمات، رجاءً حاولوا تعلم الكلمات أكثر، ففي ليلة سوداء موحشة توقف قلبي، عندما توقّف لساني. وفي لحظة من الزمن اختفت أسئلتي وانتهى وجودي وزماني، وسقطت كل جسوري إلى العالم، فكلماتي هي حياتي وكل ما أملك، هي مائي وناري ودخاني وكل ما أحببت ذات مرة في شبه حياة؛ هي بدايتي ونهايتي، احلم بها ميتًا وحيًا..
فقدت كل شيء حين فقدتها، بسبب طعنة غدر، فقدت البداية والنهاية والأهم من ذلك: فقدت ذاتي، فقدت أحلامي.

أيام مضت

أيام مضت
أن ينتهي يومك ليسَ بالشيء المصيري، وهذا ربما أفضل ما فيه، اليوم اﻷوّل مثل اﻷخير واليوم الثاني جامد مثل الأول وكأن الأيام قد توقفت، البدايةُ مثلُ النهاية، الاستيقاظ كالنوم، أنام وأصحو ﻷجدَ كل شيءٍ ينتهِ باعتياديّـةٍ مقيتة، لن تتغيّـرَ التفاصيل. فقط هو ترتيبٌ رقميٌّ منمـّقٌ يبدو كبدايةٍ جديدة، يومٌ جيّـدٌ ﻷتذكّر ما فعلتهُ في ايّامي المصيريّة حقًا، والقليلةِ جداً مقارنة بغيري..
ﻷتذكّـرَ كيفَ تحركت مثل رجل آلي  ممسكًا قلم رصاص وأكتب في قائمةِ الرغبات “الهندسة الكهربائية” وأنا انظر الي الاستاذ ممسكًا ورقتي بابتسامة حمقاء حقيقية، لأظن اني رسمتُ وجهَ المستقبلِ بمسطرةٍ و زاوية قائمة من 90  درجة، وكانني جعلتُ كلّ أحلامي أحاديثَ للضحكِ والسخريةِ..
كيف اخطات مرة وظننت اني سيد العالم وإني الأفضل بين الجميع فابتعت كراهية الأقربين بأقل ثمن كراهية لم تزول حتي بعد الاعتذار والتغيير وكيف ظننت انني بصفاء القلب والحذر سأنجو من أنياب الذئاب بعد التغيير، كيفَ أحببت مرّة لمجرّد الرغبةِ بالوقوعِ في الحبّ  فاشتريتُ بأعصابي شهوراً طويلةً من الوجع والحرقة وبحرا من الدموع العذبة التي لا أتذكر كم مرة عجزت عن كبتها وانا في زاوية الغرفة المظلمة الطم والوم نفسي علي حبي الذي لم اشعر به حقيقة وكيفَ فكّـرتُ بأنني لن أسامح ابدا و أنني لو أملكُ يوماً أثراً بهذه القوة -أن أجعلَ أحداً يبكي وَ يبكي- فلن أفعلَها ابدا.
كم مرّة قفزت من وجهي الابتسامات ولم أستطِع حبسَها حتّى عند الصلاة، أو في خيمة عزاء، و كيفَ أنّ صانعَ الابتساماتِ رجلٌ لا يُنسى، كل يوم فشل هو يومٌ جيّد بالنسبة الي لجعلي أرى الناسَ بصورةٍ أعمق الزوجة التي خانها زوجها بالأمس تلوّن كل شيءٍ بالأسود تشتمُ و تسرعُ بإخفاءِ ملامحِ الفرح لضنها ان عشيقها سيأتيها بخاتم الخلاص. أو عن الحبيب المغرم الذي لا يعرف اي أنواع العطور تحبها صديقته، ويعبس حين يشتري مزيلا للعرق “لان لا ذوق له” كما انه يستحي كثيرا من صديقه الذي لا حبيبة له، اما الذين  يتعاملونَ “بنكد” وعدم مبالاة بالحياة و يكرهونَ كل شيء حولهم “أنا مثلا” و يملأون الفضاءاتِ والصفحاتِ بالكتابةِ عن عدمِ اكتراثهم وان عقولهم تعيش في دول الحياة اما اجسادهم فهي فقط الباقية هنا..
الذين مثلي  يخجلون من أنهم كآبة رغم امتلاكهم “كل شيء” ..! الأهم من كل ذلك قريبك المجنون بقلب حبيبتك سرًا، الجالس بصبر تحت القذائف ويكتب لها علي ” الفايبر” احبك بجنون كل مجنون. عن أحزاننا وحدادنا عند التشكيك والنظر والبحث عن اجابات لأسئلة كل مجنون، عن الوطنِ والمجتمع حفّـارِ القُبـور، عن ضعفنا اتجاه كل من نحب. هذا سلاحهم الذي يقتلنا جميعا ونحن مغرومون بابتسامة مهزوم صفراء تحجب الف سيف غرس في قلوبنا بكل سكون. عن الموعد المنتظر البعيد يوم رفاهية الرحيل التي لم نمتلك منها حتي الحقيبة، عن بقائِنا في قذارة العالم دون اي تطوير او تنوير، عن قلوب أرهقها خبث البعض ولم تعد تقوي ع المسير ..
عني وعن أيامٍ مضت ومضي معها الكثير..