ألف أغنية

ألف أغنية
ألا تعلمين أني من أجلك قمت بعمل المستحيل؟..
حسنًا، أنا الآن في محاضرتك، أنا أستاذ تعيس، طالب أحمق، وشاب طائش تمامًا، ولا أملك حتى بضعة أهداف ذي قيمة، أدخلُ قاعة المحاضرات، في يدي كوب قهوة، أو ربما قد يكون مزاجي جيدًا فأحملُ حقيبة علي ظهري، أدخل إلى قاعةٍ مزخرفة تفوح منها روائحُ وورود مخبأة في المقاعد كنحلة في بساتين مزهرة!
محاضرة تملؤها الفتيات العاشقات، من لا يحسنّ وضعَ المكياج: عيونهن بائسة، لا ينتفن حواجبهنّ بالطريقة المثلى، ويكتبن الرسائلَ بلغةٍ ركيكةٍ وفاتنةٍ جدًا. في المقعدِ قبل الأخير، تكونين أنتِ.. ممشوقةً، نحيلةً، ودون مكياج، وجهُكِ يثيرُ بي رغبةً بالهَرب خارج المدينة، خارج الكوكب والزمان، إنني أفكّرُ بينما أكتب عنوان المحاضرة بذلك الخط الباهت -أفكر بشيء واحد، لا ثاني له- كيف يمكنني استدراجك إلى قاعة ثانية خلال اول فرصة، لا شيء أرغب به أكثر من استدراجك إلى هناك، كي أحدثكِ عن نفسكِ طويلاً: عن أصابعك النحيلة، عن شامتِك، عن شَعْرك المزاجيّ، عن ساندوتش شاورما قد أكلتهِ ذات صباح ومسحت بقاياه ظانة أن لا أحد رآك!، عن إلتواء خصرك الذي يجعل الجميع يتسمّرون أمام باب القسم راغبين بأن يخطفوك وأن يركضوا في فضاء جسدك مثل كواكب مهزومة، مترعون بالخيبة والأسى، هم مثل أنابيب نفط طويلة قام بإقفالها الجضران، منسيون مثل دستور 1951، وعاديون مثل نملة تجر ما تحصلت عليه من بقايا الحلويات، وأنا أريد ما يريدُ الجميع… أريد أن تقرأي لي اسمي في عشرة أسطر، في كل سطر منها ألف بابٍ إلا باب. السطور المتعلقة بالرذيلة أحبها، فرجاءً حاولي تمريرها برفق و التركيز عليها، لأني أريد أن تختبري قلبي في زخرفة اسمك، لدي قلم وبضع ورقاتٍ من النوع الذي يجعلُ يدك مرتاحة حين تكتبين، ويجعل قلبي يشرب حبرَكِ كلّه، أريد خلال ختام الفرصة وبينما تنقض شفتي علي شفتاك، أن تخبريني  شيئاً ما لا أعرفه عنك؛ أخبريني عن حبيبك الأول مثلًا، أخبريني.. كيف تشعرين حين تستمعين إلى الصافي وبونقطة، أو إليسا كأغلب الفتيات، حدثيني عن منتصف الليل وقت حضور الشياطين وتمكين الأمنيات عندما تتذكرين احداث الصباح كلها وأنا على وجه الخصوص، عندما تتزينين في غرفتك قبل الذهاب الي حفل زواج إحدي صديقاتك عندما تقفين طويلاً أمام المرآة في الحمام، كي تتجملي من أجلي اقصد من أجلهن او أجلهم من حلت عليهم لعنتي جميعًا،  أنا القادم في الثامنة وتسع دقائق، المحاضرة الأولى، فاتحة الصباح.
في قلبي ألف أغنية وفي جسدي بقايا حرب وفي عقلي تدفن الحكايات..
الإعلانات

حكاية ميت

حكاية ميت
كلما أتذكر أمسي أبكي، كل ما أشعر به حقًا الرغبة في البكاء، أنا ميت دفن في 2014، فلا تلوموا من يبكي على موته وغيابه، كلما نظرت في المرآة لا أرى شيئًا سوى ذكريات أليمة وعيون حزينة أرهقتها الحكايات..
كلما جلست مع نفسي لا أتوقف عن تذكر العالم والحياة في  مرايا الجمال والحروف، ميتٌ محبُ الحياة، ولأول مرة في حياتي -التي مضت كالسرد التافه- أدرك معنى النقطة الحاسمة في آخر السطر، هذا ليس بالشيء العجيب، فوحده الموت يقتل الكلمات، ووحده الغريب الغامض من يدعس الحروف تحت قدميه، ويخطفها من أفواهنا، ولاشيء يرهق الموتى أكثر من خبث البشر وغدر بعض الأصدقاء. خبثٌ يحول ابتساماتنا إلى أسطورةٍ منسوجةٍ بخيوط عنكبوت عجوز مهترئة معلق على نهاية كلٍ منها بقايا كل الطرائد، وكأنها تذكره بماضيه وكيف كان يمزقها، ويرميها تحت أقدامه دون أي مبالاة. خبث ودهاء يتركنا خارج ذواتنا كموجة تخرج من البحر مصيرها الفناء.. أو كورقة توت تاهت وتقاذفتها الرياح خارج موطنها، نسيت أن أخبركم بأن كلُ ما هو خارج ذاتي ممتلئ بي، سأحدثكم اكثر عن الموتي الأحياء: هم بشر حقًا وليسوا زومبي كما تروج المسلسلات، بشرٌ ضاعت أحلامهم بلحظة غباء، أو غدرٍ من بعض الأشقياء، هم مثلكم جميعًا، عدا أن كلماتهم تبدأ حيث تتوقف ألسنتهم.. أما ترونني أتكلم صامتًا؟ ولا أفعل شيئًا عدا متابعة صمتي في كلّ ما أقول؛ لأنني لا أعرف في النهاية ما أريده وما يريده الآخرون، فَلَو كنت أعلم ما أريد لما  بقيت صامتًا ولما كتبت اسمي على جدار قبري المظلم حقًا، ففي وحشة القبر لن يكون لك من غطاء سوى الكلمات، رجاءً حاولوا تعلم الكلمات أكثر، ففي ليلة سوداء موحشة توقف قلبي، عندما توقّف لساني. وفي لحظة من الزمن اختفت أسئلتي وانتهى وجودي وزماني، وسقطت كل جسوري إلى العالم، فكلماتي هي حياتي وكل ما أملك، هي مائي وناري ودخاني وكل ما أحببت ذات مرة في شبه حياة؛ هي بدايتي ونهايتي، احلم بها ميتًا وحيًا..
فقدت كل شيء حين فقدتها، بسبب طعنة غدر، فقدت البداية والنهاية والأهم من ذلك: فقدت ذاتي، فقدت أحلامي.

أيام مضت

أيام مضت
أن ينتهي يومك ليسَ بالشيء المصيري، وهذا ربما أفضل ما فيه، اليوم اﻷوّل مثل اﻷخير واليوم الثاني جامد مثل الأول وكأن الأيام قد توقفت، البدايةُ مثلُ النهاية، الاستيقاظ كالنوم، أنام وأصحو ﻷجدَ كل شيءٍ ينتهِ باعتياديّـةٍ مقيتة، لن تتغيّـرَ التفاصيل. فقط هو ترتيبٌ رقميٌّ منمـّقٌ يبدو كبدايةٍ جديدة، يومٌ جيّـدٌ ﻷتذكّر ما فعلتهُ في ايّامي المصيريّة حقًا، والقليلةِ جداً مقارنة بغيري..
ﻷتذكّـرَ كيفَ تحركت مثل رجل آلي  ممسكًا قلم رصاص وأكتب في قائمةِ الرغبات “الهندسة الكهربائية” وأنا انظر الي الاستاذ ممسكًا ورقتي بابتسامة حمقاء حقيقية، لأظن اني رسمتُ وجهَ المستقبلِ بمسطرةٍ و زاوية قائمة من 90  درجة، وكانني جعلتُ كلّ أحلامي أحاديثَ للضحكِ والسخريةِ..
كيف اخطات مرة وظننت اني سيد العالم وإني الأفضل بين الجميع فابتعت كراهية الأقربين بأقل ثمن كراهية لم تزول حتي بعد الاعتذار والتغيير وكيف ظننت انني بصفاء القلب والحذر سأنجو من أنياب الذئاب بعد التغيير، كيفَ أحببت مرّة لمجرّد الرغبةِ بالوقوعِ في الحبّ  فاشتريتُ بأعصابي شهوراً طويلةً من الوجع والحرقة وبحرا من الدموع العذبة التي لا أتذكر كم مرة عجزت عن كبتها وانا في زاوية الغرفة المظلمة الطم والوم نفسي علي حبي الذي لم اشعر به حقيقة وكيفَ فكّـرتُ بأنني لن أسامح ابدا و أنني لو أملكُ يوماً أثراً بهذه القوة -أن أجعلَ أحداً يبكي وَ يبكي- فلن أفعلَها ابدا.
كم مرّة قفزت من وجهي الابتسامات ولم أستطِع حبسَها حتّى عند الصلاة، أو في خيمة عزاء، و كيفَ أنّ صانعَ الابتساماتِ رجلٌ لا يُنسى، كل يوم فشل هو يومٌ جيّد بالنسبة الي لجعلي أرى الناسَ بصورةٍ أعمق الزوجة التي خانها زوجها بالأمس تلوّن كل شيءٍ بالأسود تشتمُ و تسرعُ بإخفاءِ ملامحِ الفرح لضنها ان عشيقها سيأتيها بخاتم الخلاص. أو عن الحبيب المغرم الذي لا يعرف اي أنواع العطور تحبها صديقته، ويعبس حين يشتري مزيلا للعرق “لان لا ذوق له” كما انه يستحي كثيرا من صديقه الذي لا حبيبة له، اما الذين  يتعاملونَ “بنكد” وعدم مبالاة بالحياة و يكرهونَ كل شيء حولهم “أنا مثلا” و يملأون الفضاءاتِ والصفحاتِ بالكتابةِ عن عدمِ اكتراثهم وان عقولهم تعيش في دول الحياة اما اجسادهم فهي فقط الباقية هنا..
الذين مثلي  يخجلون من أنهم كآبة رغم امتلاكهم “كل شيء” ..! الأهم من كل ذلك قريبك المجنون بقلب حبيبتك سرًا، الجالس بصبر تحت القذائف ويكتب لها علي ” الفايبر” احبك بجنون كل مجنون. عن أحزاننا وحدادنا عند التشكيك والنظر والبحث عن اجابات لأسئلة كل مجنون، عن الوطنِ والمجتمع حفّـارِ القُبـور، عن ضعفنا اتجاه كل من نحب. هذا سلاحهم الذي يقتلنا جميعا ونحن مغرومون بابتسامة مهزوم صفراء تحجب الف سيف غرس في قلوبنا بكل سكون. عن الموعد المنتظر البعيد يوم رفاهية الرحيل التي لم نمتلك منها حتي الحقيبة، عن بقائِنا في قذارة العالم دون اي تطوير او تنوير، عن قلوب أرهقها خبث البعض ولم تعد تقوي ع المسير ..
عني وعن أيامٍ مضت ومضي معها الكثير..

امشي مشيتك يا صديقي

امشي مشيتك يا صديقي
في حياتنا اللي اتدره الكبد هذي زعمك أنا من؟ اكيدة السؤال هضا خطر علي واجدين منكم..
“أنا وجهٌ بلا ملامح..”
هذي اول حاجة خطرت في بالي..
وجه بلا ملامح لا تعرفه زعلان ولا باينة فيه ملامح الفرحة وجه بلا ملامح من الأخير..
ارتدى وجهي ملامحَ الغرقى.
من الهموم نين وجهي ذبل وعيوني طاحن تقول ضاربهن علي قولت الجماعة -مدمن يعني- ومن كثر الادمان عيونه كردمن..
لكن في حاجات واجد كويسات وممكن عاجباتني يعني مثلا: لم أرتمِ قطُّ في الحياد.
الحمد الله قاعد علي نفس المبادئ اللي مقتنع بيهن لا تلونت ولا غيرت الطارقة.. و لا ركبت الموجة ..
كل حاجة تمشي وتهون هكي كنت نقول لروحي لعند ما.. تشقّقتْ شفتاي كما شفاه الظامئين لقبلة.
اسمرّتْ بشرتي لبُناةِ الهياكل وعبيدِ الأهرامات -ع اساس مش اسمر مثلا انا- ما اتدورهش الجملة الاخيرة نحكي مع روحي بس .
لحستُ كآباتِ المسنين في دُور العجزةِ وهم يتفقدون أصابعهم ليتأكدوا أنهم ما زالوا أحياءً.
من ناحية تلحيس الصوابع لحسناهن لعند تغير لونهن ..معيشة سودا يا وليدي ع قولت جدتي عزيزة.
تغضّن جبيني حين التقيتُ البؤساء وسكّان الهامش والدائرين على سفّودِ الوقت في مدينتي..
تخيلو مدينة كاملة الناس اللي فيها تقول زومبي فيها حياة ومافهش حياة يرقدو وينوضو بلا صوت بكل فيها بشر ومافيهش بشر ناسها نص عايشين نص ميتين ومع هضا كله حياتهم ماشية..
ضاقت حدقتاي كلما تذكرت مصطلح طاغيةٍ اولصٍّ اوشيخ.
ههههههههه وخلاص والله .
نسيتني، وتذكّرتُ صوتي كلما رن هاتف.. لأتحدث من بئري لعلَّ حبالكم الصوتية تصلني.. فأقطع حبلَ هذا النشيج العتيق.
الو..ايوا باشا قتلك راه فلان عطاك عمره ..!
تلتبس عليكم قراءةُ وجهي الان ..
فقد تغيرتُ وشحبتْ ملامحي..
لذلك أبتئسُ كلّما أراني..
وفي النهاية ما عندي ما نقول الا ..
أنا الوجه بكلِّ الملامح دون اي ملامح ..
هذا أنا…
دهستني عرباتُ المعاني
ودمرتني هذه الحروب ..
نهشت قبري المشكلات..
أدهشتني الأشياءُ كما ادهشني صمود البشر..
يخيفني الحدّ الفاصلُ
بين الأبيضِ والاسود ..كالرمادي مثلا
ولا أصدّقُ أن الحرب قد تضع نهاية لكل الكلمات..
لكنّني أيضًا، لستُ ملاكًا ولن أكون شيطانا يومًا..
ولا حجة في يدي أمام القضاة..
قضبان من الناس حول صدري وألف حكاية تدور الآن في عقلي ..
أعمدة من الذكريات المدببة ..
تنغرس كل يوم في راسي ..
من انا اذا غير انسان فاني يتمني ان يحظي بحياة أفضل..
خلقت كإنسان وسأموت كإنسان..
يعني بالليبي امشي مشيتك يا صديقي..

عتمة

عتمة
لم أعد قادرًا بعد الآن على التعبير عن نفسي، عن عن كينونتي وعن أحلامي.. صراعٌ مع عقلي وألم مثل السم يمزق أحشائي، لقد خسرت حقي في إظهار مشاعري إتجاه كل شيء..
حوار مع عقلي الباطن كما يسمونه وبين كل من يعيش بداخلي -كل احشائي- يصرخ الجميع قائلا: لا مكان لك هنا أبدًا،
كل هذا الفراغ لا يشبهك. كل الأبواب التي اصطدمت بها في يومك لم تكن في مكانها، كل الحجارة والبلاط وحبات الرمل الذي تحسسته قدماك لم تستطع حساب خطواتك، ولم ولن تستطيع إيصالك إلى ما أردته يومًا.
الشبابيك تمَزقُ جدران عزلتك نهارًا، والنوم يبعد عنك بمقدار سبع أحلام وألف شجرة محرمة، حياتك تنزلق نحو رتابة انسياب الدم في الشرايين والأوردة، والحزن على ضفاف أحلامك كثيف كوجعك، عيونكَ مثل جدران بيت مسكون، ميتة مليئة بالظلام؛ عيونك المعلقة بمساميرها، تشدّ وثاقك نحو صورٍ تشبهك، نحو أحلام أردتها، وتنام بصمت.
لا مكان لك هنا أبدًا.. كل العتمة التي إبتلعها قلبك لم تكن في وقتها، كل الملائكة التي جلست على كتفيك نامت.. لا جنة لك الآن، ولا نار..
تغرس أقدامك في الهواء حيثما شئت، تنصب جدارك حلمًا يملأ زمنك الأجوف، ثم تنام ملء عتمتك مثل الموتى في قبورٍ مظلمة، لا مكانك مكان ولا زمانك زمان، ولا شيء يهبك يومك سوى إنزياح أمسِك عن غدك، الوقتُ وهمُ القابعين في خيامِ الحدود.
أيمكنك تخيل معاناتي؟ ما الخيام؟ ما الحدود؟ ما معنى أن يختلف في فمك طعم صوتك؟ ما معني أن لا تشعر بطعم صوتك؟ يا أيها المارق بين سطور الكلمات و نزف روح أتعبتها الحياة، هيا شارب نبيذ الحب والمحب للحياة، ناءت جدران أمسِكَ بثقل كأسك الأخير، فالتحف الغدَ قماشا لقلبك الدمية، واعتصر يومك زيتًا يضيء دمعَ الخائبين
وأصمت أو اصبر، وخذ هذا النحيب وارتحل..