أريدُ الحرية

أريدُ الحرية

في رأسي كلمات موجعة أضعها بين قوسين، على مرأى ومسمع منكم جميعا : أنتم لا تعرفونني حقّاً كما أنا ، ولا تحاولون التعرّف علي بإنصاف ، أنتم لا تفهمون روحي جيداً ، بل ولا تعترفون بها كما هي ، ولا تجرؤن على محاولة فهمها خشيّة أن تفضحكم ازدواجية افكاركم ،او تكون شرارة للتشكيك في عاداتكم ، لا أريد منكم سوي محاولة التجرد من الأحكام الأولي لكي نتقارب ونتراصف مواجهين متاعب الحياة ، رجاء ارفعوا أقدامكم عن حياتي ، اتركوني أموت سريعاً. لن أمسحَ عن وجهي آثار طلقاتكم ، فلازالت الشظايا تزين تفاصيل وجهي بحفر الرصاص . ابتعدو اتركوني أتقوقع علي نفسي و أتكوّر كالأبله بجوار خيمة عزائي في الكرسيِّ الأبيض من طابور العزاء ، أقبل التعازي ، مثرثرا أتحدث عن معاناتي بكل اللغات ، هو الحب من ينقذني منكم ويحملني إلى كتف متعبة مثلي، هو فارس الأحلام بطل قصص الصغر . وها أنا اليوم شكلت من الرمال وطنا من الجمود ، وحينما وفاني الموت انتشلتُ بقايا الحروف الطائشة من فوهة الكلاشينكوف المطوية ، وهي تلامس ببرودتها فراغات عاداتكم المسعورة ،أعرف أن أشياء من هذا القبيل قد تجعلني أبكي لساعات من الهشاشة التي أصبحت تتملكني ومع ذلك لا زلت مبتسما حتي الآن ،و أتمني أن لاتنزعوا الشاش عن جرحي ، كي تأخذو آخر تصريحاتِ، فلازالت اثار الألم يابسة في حلقي، يئن صوتي وحيداً في العراء، وأنا أركض في فلك المجرات الكبيرة، أعبر مساحات الألم من زنقة إلى زنقة ، ومن دار الي دار، ومن خيمة إلى أخرى. و الان اسحبوا موروثاتكم من جسدي ، لأقص عليكم متعة التمرد في دفء هذا الوطن البارد ، ابتعدو لاتكسروا ذراعيَّ، وهاتوا باقة وردٕ لأضعها على جثتي بداخل قبر عاهاتكم ، فلم يبقَ لي سوى رصاصة من حرب، ونيزك سيسقط من السماء بعد حين، أريدُ الحرية.

Advertisements

أين رحلت جميعها؟

أين رحلت جميعها؟

كظل وحيد أعجز عن الخوض في أي حرب جديدة، بما فيها رشفة القهوة في فنجاني الغامق أحركه كيفما أشاء ، أشرب بسرعة علي هواء جاف تماما ، و من ثم أذهب لأعد لنفسي كوبا من الحليب و الشاي ، لا أنسى السيجارتين الصغيرتين من علبة الميلانو السوداء ، و لا ساعتي البنية الجميلة ، و الآن و بعيدا عن تلك الأحكام المسبقة التي أصبحت من عادات البشر وتنظيراتهم عن الحياة والحرية والثورة ، والموت والحب والألم والحقيقة الواحدة، يبدو بأن صباحي قد اكتمل ، أخيراً صار شكلي مناسبا لكل احتمالات الموت والحياة، أتلفت حولي الناس يتبادلون الخيانات، العادات المسمومة والابتسامات ، كل شئ مكرر ، الشارع اليوم يشبه نفسه، الخوف جعلني أراه أقلّ ازدحاما ،الطقس جنائزي بارد ، هو أيضا جاهز لاستقبال الموتي.. كانت شوارع المدينة تسير ببطءٍ نحو حتفها ، وكنت ألاحق خطواتها من نافذة السيارة ، أطيل النظر في السيارات المركونة على جانبي الطريق سائلا ، من أين يأتون بهذا اليقين الصلب الذي ينظرون من خلاله للعالم الذي يتداعى يوماً بعد يوم تحت أقدامنا ، من أين سيخرج الأمل؟.. أغمض عيني ،تتداخل المراحل ليبدأ التفكير وأتذكر حينما كنت شخصا آخر، شخصا يؤمن بأحلامه كنبوءات محققة لا كصمغ جائر يثبته ليلا بإسفلت حياةٍ سابقة انتهت منذ زمن بعيد ، أتلفت حولي أحاول إحصاء الكلمات التي أسرفتها خلال حياتي ، يا تري أين رحلت جميعها؟ و التي لم أقلها ماذا سيحل بها إن أنا رحلت قبل أن أقولها؟ أفتح عيناي أبتسم لفتاة بشارع فينيسيا “السيراتو الحمراء بذكاء شهرزاد ودليلة “، لا أسمع الا موسيقى أنفاسها ،لا يمكن أن يقع مكروه في حضرة شخصيتها القوية.

بين جدران العصية

بين جدران العصية

 

في الحياة كل شيء يتغيّر ،الحكام، الحبّ، أرقام الهاتف، الأفكار، الأوطان، و حتي الأصدقاء،كل شيء يهترىء ولكل شئ نهاية .. في يوم من الأيام كنت أعيش بغير هذه المدينة، رغم أنها ذات المدينة،السلام والحرب بدلها ، بدل شوارعها التي لطالما تنمرت علي الجميع، وغير من اتجاهات سيرها باتت تأخذ جيئة وذهابا ،اكتنفني التيه وبت لا أعلم الطرق والوجهات بعد أن كنت عليما بسراديبها،لم أعد مألوفا بت غريبا عنها، وكنت كلما وقعت، أمد ذراعاً لنفسي لأقف من جديد.. كنت ولداً بنغازيا وحيداً.. يواجه مدينة كاملة تطلق علي نفسها لقب “العصية”. مرت السنوات بسرعة وقامت ثورة ومن بعدها حرب كبيرة، وأدركت أن هناك أناساً آخرين عند انتهاء طريق “بنغازي “، وتعرفت على بنغازي الجديدة ، كنت وحيداً أيضاً، إنما في مواجهة مدينة جديدة بحالها، بشوارعها ووجوها، وأبنيتها المتطاولة عن قامة منزلنا في “الهواري”،وجدرانها المحفورة بالذكريات وحفر الرصاص تأن قائلة “لقد مرت الحرب من هنا ” وحيداً.. أواجه هذه الأحجار الكبيرة المملؤة بالشضايا ، وأبحث في شقوقها عن نصوصي الضائعة، كنتُ مسلحاً بالتفائل وسجائري الرديئة. عندما كبرت، توقفت عن المواجهة، سلّمتُ أقدامي للطريق دون أي تفكير، وانشغلت بهاتفي المحمول وفتح أمامي باب الكآبة .. ومنذ ذلك الوقت، لم أصل إلى أي مكان، ولم تأخذني الطرق إلى أي قبلة للجمال، إلا صدفةً، حين انشغل العالم عني، وساقتني الطرق إلى حبيبتي ، بعدها سلمت لها ما تبقى مني، إلا أنني بقيت متجاهلاً مواجهة ما يسمونه العالم، وغالباً عند أي قرارٍ مصيري، أمدّ مؤخرتي له، وأتابع انشغالي بهاتفي المحمول، أو إلقاء نكاتي القديمة على حبيبتي، التي دائماً ما تضحك عليها للمرة المئة. علي كل حال. أنا بصحة جيدة بجوار مقبرة الكومنولث بمنطقة الرحبة ، أشرب الألم كل يوم، أنا وأفكاري برفقة الغليون و سليمان كانون.. وأنتم كيف حالكم ،اعذروني فلم أكن أراكم ..

علي طبيعتي

علي طبيعتي
سأكون إنسانًا جديدًا، وربما سأغدو أفضل، سأُعيد تشكيل ذاتي وفقًا للظّروف الراهنة، فيبدو لي أنّها أيامٌ عجاف وقد تستمر أكثر وأكثر، فلا شيء يُنذر بالأمل، وماعدا ذلك فهو سُخف وحلمًا ورديًّا..
سأتشكّل كالآتي: سأنزع نظاراتي من على عيني، وكذلك الخاتم من على سبّابتي، لا حاجة لي بهما، فصوت صاروخ مثلًا لن يهتم لانعكاس نظاراتي أو للمعان خاتمي، بكل الأحوال سيسقطان.
قلم حبري الجاف ذو اللون الازرق، وعلبة سجائري الحمراء ايضًا سأضعهما بعلبةٍ سوداء إلى أجلٍ غير مسمى، لن أحاول تزوير ذاتي أو أبالغ في وصف عباراتي، واستجلاب الجمال من عيونِ الحرب، فهي بشعة، ولهذا سأقابلها كما أنا، ليس ببشاعة بالتأكيد، وإنما طبيعيًا كأنما جئتُ للتّو من رحمِ الأرض؛ لن تُقرع طبول الحرب حتى أستعد وأجهز ذاتي، كأن أبدو طبيعيًا وفي غاية السلام، لأنّني حتمًا وقتها سأكون مشغولا في البحثِ عن الماء، أو أُوقِد شمعة.
لستُ شابًا مدللا، فقط كنت أحاول تدليل ذاتي، لكي تعيش بسلام، فشَعْري بدا يتساقط وأمسيت أنزعًا، ولا حبيبة تنتظرني لكي أغازل جمالها الّذي تعبث به رياح الحرب… سنكون أكثر حِرصًا وتقشّفًا، سأحرِص على الماء -والّذي تم تعبئته لأيام القيظ والشقاء-، هي الآن تبتسم لنا، قد جئتكم يا أحبّائي، سننام جميعًا في غرفةٍ واحدة، مثلًا في الغرفة الّتي لاتُطل نوافذها على زاوية الحرب وأصوات المتفجّرات، سنُصبح أكثر قربًا حين تلتحم الأكتاف وتزدحم الأنفاس، لايبدو الأمر سيّئًا نوعًا ما.
لستُ متفائلا ولا متشائمًا، أنا لا شيء، حتى إنّني لم أعد أُفكِر ماذا سأقرأ بعد أسبوع حين أنتهي من قراءة رواية ما، كذلك لا أخاف فقلبي أصبح أكثر قسوة وجلادة.
سئمتُ من القرارات، وسئمت من الإتفاقات، سئمت من السِلم والحرب، من الجنّة والنار، والظلام والنور، والحب والكره سئمت كل شئ، نقف على الخراب، ونكذِب: “أنّنا بخير”، تستمر الإتصالات والإستعلامات، نُثرثر كثيرًا ومن ثمّ نبتسم، مسحوقين تمامًا، وتُرهِبنا تناقضاتنا، حينًا نُغنّي وأحايين كثيرة نرقص ونصفق، نعبث بهذا الخراب و نجعله نكتة سمِجة تُضحِكنا، ونضحك على أنفسنا كثيرًا وطويلا طويلا…
الشيء الذي لن يدخل ضمن إعادة التشكيل، الكتابة، نعم سأحاول أن أتدرّب أكثر على كتابة النصوص، سأخترع موسيقا جديدة للكتابة، سأكتب عن كل شيء، وسأناقض كل شيء، أكتب عن الحب يتلوه كُره، وعن النار ويُطفئه ماء، سأكتب عن صديقي الذي يشرب القهوة طوال اليوم. وعن السماء التي تنجب ابطالا، سأكتب عن حبيبتي التي لم ولن تأتِ، والقصيدة الّتي لن تنضُج، سأكتب في ليلة حرب كل الشقاء وفي اليوم التالي سيعم السلام كحلمٍ جميل، وسأنام طويلا، وربّما لأبد الآبدين.. لعلي أرتاح!