أريدُ الحرية

أريدُ الحرية

في رأسي كلمات موجعة أضعها بين قوسين، على مرأى ومسمع منكم جميعا : أنتم لا تعرفونني حقّاً كما أنا ، ولا تحاولون التعرّف علي بإنصاف ، أنتم لا تفهمون روحي جيداً ، بل ولا تعترفون بها كما هي ، ولا تجرؤن على محاولة فهمها خشيّة أن تفضحكم ازدواجية افكاركم ،او تكون شرارة للتشكيك في عاداتكم ، لا أريد منكم سوي محاولة التجرد من الأحكام الأولي لكي نتقارب ونتراصف مواجهين متاعب الحياة ، رجاء ارفعوا أقدامكم عن حياتي ، اتركوني أموت سريعاً. لن أمسحَ عن وجهي آثار طلقاتكم ، فلازالت الشظايا تزين تفاصيل وجهي بحفر الرصاص . ابتعدو اتركوني أتقوقع علي نفسي و أتكوّر كالأبله بجوار خيمة عزائي في الكرسيِّ الأبيض من طابور العزاء ، أقبل التعازي ، مثرثرا أتحدث عن معاناتي بكل اللغات ، هو الحب من ينقذني منكم ويحملني إلى كتف متعبة مثلي، هو فارس الأحلام بطل قصص الصغر . وها أنا اليوم شكلت من الرمال وطنا من الجمود ، وحينما وفاني الموت انتشلتُ بقايا الحروف الطائشة من فوهة الكلاشينكوف المطوية ، وهي تلامس ببرودتها فراغات عاداتكم المسعورة ،أعرف أن أشياء من هذا القبيل قد تجعلني أبكي لساعات من الهشاشة التي أصبحت تتملكني ومع ذلك لا زلت مبتسما حتي الآن ،و أتمني أن لاتنزعوا الشاش عن جرحي ، كي تأخذو آخر تصريحاتِ، فلازالت اثار الألم يابسة في حلقي، يئن صوتي وحيداً في العراء، وأنا أركض في فلك المجرات الكبيرة، أعبر مساحات الألم من زنقة إلى زنقة ، ومن دار الي دار، ومن خيمة إلى أخرى. و الان اسحبوا موروثاتكم من جسدي ، لأقص عليكم متعة التمرد في دفء هذا الوطن البارد ، ابتعدو لاتكسروا ذراعيَّ، وهاتوا باقة وردٕ لأضعها على جثتي بداخل قبر عاهاتكم ، فلم يبقَ لي سوى رصاصة من حرب، ونيزك سيسقط من السماء بعد حين، أريدُ الحرية.

Advertisements

حكاية ميت

حكاية ميت
كلما أتذكر أمسي أبكي، كل ما أشعر به حقًا الرغبة في البكاء، أنا ميت دفن في 2014، فلا تلوموا من يبكي على موته وغيابه، كلما نظرت في المرآة لا أرى شيئًا سوى ذكريات أليمة وعيون حزينة أرهقتها الحكايات..
كلما جلست مع نفسي لا أتوقف عن تذكر العالم والحياة في  مرايا الجمال والحروف، ميتٌ محبُ الحياة، ولأول مرة في حياتي -التي مضت كالسرد التافه- أدرك معنى النقطة الحاسمة في آخر السطر، هذا ليس بالشيء العجيب، فوحده الموت يقتل الكلمات، ووحده الغريب الغامض من يدعس الحروف تحت قدميه، ويخطفها من أفواهنا، ولاشيء يرهق الموتى أكثر من خبث البشر وغدر بعض الأصدقاء. خبثٌ يحول ابتساماتنا إلى أسطورةٍ منسوجةٍ بخيوط عنكبوت عجوز مهترئة معلق على نهاية كلٍ منها بقايا كل الطرائد، وكأنها تذكره بماضيه وكيف كان يمزقها، ويرميها تحت أقدامه دون أي مبالاة. خبث ودهاء يتركنا خارج ذواتنا كموجة تخرج من البحر مصيرها الفناء.. أو كورقة توت تاهت وتقاذفتها الرياح خارج موطنها، نسيت أن أخبركم بأن كلُ ما هو خارج ذاتي ممتلئ بي، سأحدثكم اكثر عن الموتي الأحياء: هم بشر حقًا وليسوا زومبي كما تروج المسلسلات، بشرٌ ضاعت أحلامهم بلحظة غباء، أو غدرٍ من بعض الأشقياء، هم مثلكم جميعًا، عدا أن كلماتهم تبدأ حيث تتوقف ألسنتهم.. أما ترونني أتكلم صامتًا؟ ولا أفعل شيئًا عدا متابعة صمتي في كلّ ما أقول؛ لأنني لا أعرف في النهاية ما أريده وما يريده الآخرون، فَلَو كنت أعلم ما أريد لما  بقيت صامتًا ولما كتبت اسمي على جدار قبري المظلم حقًا، ففي وحشة القبر لن يكون لك من غطاء سوى الكلمات، رجاءً حاولوا تعلم الكلمات أكثر، ففي ليلة سوداء موحشة توقف قلبي، عندما توقّف لساني. وفي لحظة من الزمن اختفت أسئلتي وانتهى وجودي وزماني، وسقطت كل جسوري إلى العالم، فكلماتي هي حياتي وكل ما أملك، هي مائي وناري ودخاني وكل ما أحببت ذات مرة في شبه حياة؛ هي بدايتي ونهايتي، احلم بها ميتًا وحيًا..
فقدت كل شيء حين فقدتها، بسبب طعنة غدر، فقدت البداية والنهاية والأهم من ذلك: فقدت ذاتي، فقدت أحلامي.