سنوات دون أمل

سنوات دون أمل
من قال إن الحياة ليست بسريعة، وأن الزمن لا يتوقف خمس ثوانٍ بين لحظة إنطلاق المظاهرات المنددة بإسقاط النظام والمطالبة بنظام أفضل وبين السنوات الست التي أفقدتني أصدقاء وأحباب واقارب..
سنوات مضت بسرعة البرق بالرغم من عنف ما حدث في بنغازي من تدمير وتهجير وقتل واقتتال عنيف، وبالرغم من حضور كل شياطين العالم على أرضنا واقتسامهم لدمائنا ومحاولتهم بث الظلام واذلالنا وبالرغم من ضيق الأفق وكل ما يقال ولا يقال عن ضياع الحل بين أطراف الأزمة كما يقولون؛ تلك الصورة تحضرني كالوهج المضيء للعتمة يصبح فيه هذا الدم والدمار ثمن مقبول معادل لمضمونٍ يفوق كل تصوراتي عن الجمال والاكتمال فكما كانت الظلمة هي أيامنا الفائتة ربما تكون الست القادمة جمال ما بعده جمال.
لكل من دُمّر بيته وانتهكت أحلامه وفُجع بخسارة أحبائه وتاريخه وحاضره
لكل من ظُلم ولم يُسمع صوته..
لكل من نُفي أو شُرد عن هذا الوطن المقهور
لكل من عبر الحدود واعتلى الأمواج خوفاً على أولاده ووجوده و مكانه..
لكل من غرق في رحمة الأمواج أو في براري الغربة هائمة روحه لتربة هذا الوطن
لكل من سكن المدارس او بات في العراء ينهش الذلّ كرامته مكرهاً ومجبراً مهما كان نوع الإجبار ومهما كانت الظروف
رجاء لتعلمو جميعا أنكم مازلتم هنا وأن الأفضل هناك وهو قادم لا محالة، لو تعلمون أنتم يقيني الذي فقدت فضعت في دوامات الظلام و فقدان الأمل في حياة أفضل فلا معنى لوجودي دونكم وليس الوطن سوى أنتم ….
رجاء سامحوا سنواتكم وتصالحوا مع ماضيكم ولتقبلوا علي الحياة بنظرة أفضل فلا فبراير ولا سبتمبر تتوقف بدونهم الحياة ..
رجاء سامحوني سامحوا صمتي فلم يكن لي يوماً أي صوت ولم أكن املك مقدار ذرة كره الحياة ..
ولتعلموا بأن تفاؤلنا ليس رفاهية تفاؤلنا ضرورة ولا خيارات لدينا.. فكل هذا الخراب والحصار أمامي يقول بأنه لا أمل وأنني واهم.. وأن وجودنا ليس أخف من سقوط اوراق الاشجار ..
فبعد كل الذي مضي لن أرحل إلا وبرأسي تلك الصورة عن وطن أجمل مسكونا بشغف وضرورة إعادة إحيائها وتجسيدها كيفما استطعت فوق كل هذا اليأس والخراب.
فتمنوا لبعضكم وللوطن أياما أفضل

ملاك بمدينة الأشباح

ملاك بمدينة الأشباح
حياتنا أصبحت كشبح يعلق قلوبنا بعادات حمقاء لم تنتهي ..
حينَ التقيتُها تلك المرة لم تكن تبدو أبداً كإمراة ستحدثني يوماً عن الوطن كانت منهكة و تسمّي اﻷشياء بغيرِ أسمائها ..
بادرتها سائلاً ..
 أيعقل ان تكوني شبح أيتها الجميلة ؟هل للأشباح وجود ؟
ابتسمت وحدثتني بكل هدوء قالت :
 نعم تستطيع تسميتي شبحاً فقد سئمتُ عاداتنا المقيدة.. فنجانُ قهوة معك اﻵنَ سيكفيني الي أيد الابدين ..
ثم أكملت حديثها قائلة سأكون امرأة تقليدية علك تعتاد كلماتي بسرعة ..
 سأكمل ما بدأته انت ..لعل علامات الاستفهام تمتلك سريع الأثر في تقريب الكلام ..
أخبرني ماهي المكانة التي يمكن لشخص مثلك الحصول عليها في حياتي ..
بانت علي ملامحي علامات التعجب خقاً ..أجبتها مبتسما..صديق..حبيب..رفيق للدرب أخ توأم لاحتمال الموت كل يوم هو ما اريد حيث لا عمر لي فأنا أحيا بلا ايام  ..شريك في حرب ونصر ضد كل قديم هو ما اتمني الظفور به ..
بنظرة من عيناها الغائرتين تجمد الوقت ..
فلعيناها الف لعنة جعلتني انهي كلامي .. في تلك الزاوية المظلمة ..هجرت حروفي و تاهت مني كل الأغاني ..عاتبت نفسي “لاتشبيه لديك الان “
وكأن حروفي كلها تهرب مني لتذوب في فمها وكنت أتساءل في أيّ عالم سترميني اﻵنَ حين تنطق ..
قلت بداخلي اتعلَّم انها سوف تبكي إن اكتشفت أنك تملكُ سلاحاً تركتهُ تحتَ تلّة الكتب وأنك تخفى الرصاصات في بنطالك الأسود الممزق من منتصفه
كلُّ شيءٍ يصابُ بعدوى الجهل .. قالت ..
كيفَ جرتك عادات المجتمع إليها ؟ .. قلتْ
تخيلي لو أنَّ هذه البلاد متمدنة ..جميلة ومليئة بالصناعات /اتتوقعين احترام شعوبنا المزاجية للقانون حقا ..مزاجية متمدنة ..مزاجيتنا مدمرة عليك تخيل ذلك حقا
– هل تعلمين كم أحبُّ الحياة وأعشقها ؟
 أحبّ كل مايُشبهها .. المجتمع المدني مثلا يحملُ رائحتَها ..أحب كل معالم الحياة أحب الأحياء وأنبذ الموتي ..
أتعلمين انني عادة أكتب فترحل الكلمات ..
لكن رجاءً احذري فهنالك بعض أنواع البشر تخلعُ خلفَ البابِ قناع اللطافة لتشتمنا مثلَ عاهرة  ..
قاطعتني قائلة ..
أنا حتى اﻵن لا أعرف دينك ؟…
انظري ما أوسع ابتسامةَ الله حين يضيءُ قلبا مظلما..
قاطعتني للمرة الثانية
عِدني فقط أنك لن تموت …
عدني ان تكون ذكيا ولا تسمح لنفسك الشرهة أن تقتلك لأجل فكرة ..قلت
حسنا لن أموت أعِدك …
سوف أدرب نفسي علي نسيان في أي بلد أنا.
لعلي بذلك أكون قادرا علي اشتمام الكوكب كله..
لعلي أتمكن من تنفس عزلتي وحيداً..
احمليني ايتها  الفراشة على جناحيك..
وتأرجحي بي محلّقةً بين أغصان النسيم ..
 و ثقي بأنني سأعرفُ دائماً أنك ملاكٌ و أنّ قدومكَ إلي كان نزولاً من السماء السابعة ..
فلا تقلقي ..
انهيت كلامي ثم رحلت وكأنني ولدت من جديد ..

فرحٌ بنصري

فرحٌ بنصري
أريد من هاته الحياة أن تكون حفلًا ومن هذا الكَلِم أن يكون مصفقاً لنهايات صاخبة جميلة، ولا بأس إذا تخللتها بعض الدموع، أما هذا الصمت فلا أريد منه شيئًا عدا جعلي أُقَبّل أيامي الجميلة قبلة قبلة، ثم أكتب على كل لحظات الجمال. أه، يا لها من ذكريات مجنونة! جنون لا يفسره إلا عاشق ضال، سافر لا يؤمن إلا بالجمال، ولا يتقنه أحد سواه..
حسنا من قال إني أريد أن أعرّف الجنون؟ ما الجنون حقًا يا عاشق؟
الجنون انواع يا سيدي وكلٍ يصنفه حسب ما يشتهي، أما في حالتي فهو نوعان ساحدثك عن أحدهم: الأول خارج الصندوق، خارج المعرفة لأنه متمرد على نباح التقاليد، المحطم للفضائل، الداعس على الافكار القديمة الرثة حافي القدمين..
أتقصد التمرد علي افكارنا حقًا، أتعرف عقوبة كلامك؟ لن اطيل عليك وساحدثك بإيجاز من اتخذ الجنون خلفية لحبه وأسلوبا لحياته سيبدع في فكفكة التفاصيل -التفاصيل التي تذهب بعيداً إلى أقاصي العالم- والتحليق إلى ضحكاتنا المستترة في سجون سرية بذواتنا، الفرق بيننا أنني حر اما انت فأسير احمق..
انا مثلا أستطيع البوح لامرأة جميلة بأن أحادثها قائلاً: “كم أنت مشتهاة ايتها الجميلة، مشتهاة لتكوني رنة خلخال هذا الليل، فأنا أشعر أني احتاج النوم بجوارك فقط لليلة..”؛ اما انت فعشرون سربًا من الأقفال تحجز فمك وتفسد عليك وحدك هذه اللحظة. أنا الآن اقدم اليك اعترافًا بدائيًا عن غريزة الطبيعة، وحواف الينابيع كسجان يقفل الزنزانة علي نفسه ويرمي المفاتيح خارجها..
اللعب بالتقاليد تحطيم لقداستها وهذا اكثر ما احبه، انها الحرية حقا، بينما كل الكائنات تراقب هذا المشهد، وتصرخ: ويحك ماذا تفعل أيها الضال؟ ما أنت فاعل وكأنهم اكتشفو الكثير، لكن الذي لم يكتشفه أحد بعد حب الحياة، ففي نظرهم لا تعريف له، تعريفه يقتله.. يرديه مسخًا في طرقات خطرة.
ما الحياة إن لم يكن الأمان نفسه ملازمًا لنا؟ وفي النهاية أنا فرحٌ بنصري، وتفوقي على إيمان الزاهدين، وعلى رغبة القتلة وظلامهم، وعلى كل عاداتهم  وتقاليدهم!

حكاية ميت

حكاية ميت
كلما أتذكر أمسي أبكي، كل ما أشعر به حقًا الرغبة في البكاء، أنا ميت دفن في 2014، فلا تلوموا من يبكي على موته وغيابه، كلما نظرت في المرآة لا أرى شيئًا سوى ذكريات أليمة وعيون حزينة أرهقتها الحكايات..
كلما جلست مع نفسي لا أتوقف عن تذكر العالم والحياة في  مرايا الجمال والحروف، ميتٌ محبُ الحياة، ولأول مرة في حياتي -التي مضت كالسرد التافه- أدرك معنى النقطة الحاسمة في آخر السطر، هذا ليس بالشيء العجيب، فوحده الموت يقتل الكلمات، ووحده الغريب الغامض من يدعس الحروف تحت قدميه، ويخطفها من أفواهنا، ولاشيء يرهق الموتى أكثر من خبث البشر وغدر بعض الأصدقاء. خبثٌ يحول ابتساماتنا إلى أسطورةٍ منسوجةٍ بخيوط عنكبوت عجوز مهترئة معلق على نهاية كلٍ منها بقايا كل الطرائد، وكأنها تذكره بماضيه وكيف كان يمزقها، ويرميها تحت أقدامه دون أي مبالاة. خبث ودهاء يتركنا خارج ذواتنا كموجة تخرج من البحر مصيرها الفناء.. أو كورقة توت تاهت وتقاذفتها الرياح خارج موطنها، نسيت أن أخبركم بأن كلُ ما هو خارج ذاتي ممتلئ بي، سأحدثكم اكثر عن الموتي الأحياء: هم بشر حقًا وليسوا زومبي كما تروج المسلسلات، بشرٌ ضاعت أحلامهم بلحظة غباء، أو غدرٍ من بعض الأشقياء، هم مثلكم جميعًا، عدا أن كلماتهم تبدأ حيث تتوقف ألسنتهم.. أما ترونني أتكلم صامتًا؟ ولا أفعل شيئًا عدا متابعة صمتي في كلّ ما أقول؛ لأنني لا أعرف في النهاية ما أريده وما يريده الآخرون، فَلَو كنت أعلم ما أريد لما  بقيت صامتًا ولما كتبت اسمي على جدار قبري المظلم حقًا، ففي وحشة القبر لن يكون لك من غطاء سوى الكلمات، رجاءً حاولوا تعلم الكلمات أكثر، ففي ليلة سوداء موحشة توقف قلبي، عندما توقّف لساني. وفي لحظة من الزمن اختفت أسئلتي وانتهى وجودي وزماني، وسقطت كل جسوري إلى العالم، فكلماتي هي حياتي وكل ما أملك، هي مائي وناري ودخاني وكل ما أحببت ذات مرة في شبه حياة؛ هي بدايتي ونهايتي، احلم بها ميتًا وحيًا..
فقدت كل شيء حين فقدتها، بسبب طعنة غدر، فقدت البداية والنهاية والأهم من ذلك: فقدت ذاتي، فقدت أحلامي.