الغائب

لكل شخص منا طبيعته الخاصة به طبيعة معقدة و دقيقة أكثر مما نعرف عن أنفسنا نحن نكن !

و أكثر مما يعتقد الآخرون أنهم عرفوا عنّا و مع هذا تضل كل لحظةِ نعيشها هي حقيقة سواء حلوة كانت أم مرّة ومع مرور الوقت نجد ان لكل لحظة خصوصيتها الغامضة حيث يخطر على بالنا رغماً عنا شخصٌ غائبٌ قريب من روحنا – غائب بفعل اختلاف المكان او بسبب مشاكل الحياة أو الموت – نتمنى لو كان موجوداً و نعيد و نكرر و نحن نخاطبه في سر سرّنا :”يا ليتك كنت هنا .. يا ليتك كنت هنا ” هنالك شخص قريب غائب دوماً ينقصُ حضوره ليكتمل المشهد ، و بمنطقية التجارب ما من مشهد مكتمل أساساً .

داخل كل منا هناك شخص مفقود شخص غائب نعطيه من الصفات و المواهب ما لا يمكن لغيره أن يملك يفهمنا بطريقة و سرعة لم ولن يصل اليها سواه يشاركنا لحظات ضعفنا و قوتنا حزننا و فرحنا بطريقته الفريدة و سحره الخاص وغالبا هو نفسه لا يعلم سرّ هذه الخصوصية حتى و لو حاولنا ايصالها بمفرداتنا و أسلوبنا .

و هكذا نكبر ويكبر معنا ذلك السؤال الغامض .. هل شخصنا الغائب يحمل حقاً هذه الأهمية و هذا المكان المميز جدا ؟ أم أننا لا نعرف التعامل مع المشهد المكتمل و لم نكن مستعدين له أبداً فنبتكر له نقصاً إفتراضيا يدفعنا دائماً نحو المزيد من وضع اللوم على الرف علنا نرتاح ام ان الحزن القادم من غياب هذا الشخص هو ردة فعلنا الأولى تجاه أي لحظة حقيقة ؟ يا ترى هل الحزن هو الابن الشرعي لكل اللحظات الحقيقية أم اننا نحتاجه لأننا نريد أن نعطي اللحظة جانباً رمزياً مقدساً ترتقي عن تفاصيل حاضرنا أم أننا لا نثق بما لدينا فلنجأ إلى غائب بعيد مُتَخيَّل لنمتلئ بطاقة جديدة من تفاصيل الحياة ؟ او ربما يكون السبب حقا هو أننا نبحث دائماً عن المزيد والمزيد من المشاركة في لحظاتنا الحقيقة و كأن لذة المشاركة هي نفسها الطمع الذي لا سقف له أبداً .

هناك غائب حقيقي أو متَخيّل نحتاجه دائماً لسبب ما لا يهم أبداً أن أعرفه الآن ، ما يشدني فقط هو أن أتخيل حجم العالم الغني جداً و المختفي خلف تلك الكلمات الخفيفة ” احلى الأيام كانت معاكم …” فأين انتم وماذا تفعلون.

حكاية ميت

حكاية ميت
كلما أتذكر أمسي أبكي، كل ما أشعر به حقًا الرغبة في البكاء، أنا ميت دفن في 2014، فلا تلوموا من يبكي على موته وغيابه، كلما نظرت في المرآة لا أرى شيئًا سوى ذكريات أليمة وعيون حزينة أرهقتها الحكايات..
كلما جلست مع نفسي لا أتوقف عن تذكر العالم والحياة في  مرايا الجمال والحروف، ميتٌ محبُ الحياة، ولأول مرة في حياتي -التي مضت كالسرد التافه- أدرك معنى النقطة الحاسمة في آخر السطر، هذا ليس بالشيء العجيب، فوحده الموت يقتل الكلمات، ووحده الغريب الغامض من يدعس الحروف تحت قدميه، ويخطفها من أفواهنا، ولاشيء يرهق الموتى أكثر من خبث البشر وغدر بعض الأصدقاء. خبثٌ يحول ابتساماتنا إلى أسطورةٍ منسوجةٍ بخيوط عنكبوت عجوز مهترئة معلق على نهاية كلٍ منها بقايا كل الطرائد، وكأنها تذكره بماضيه وكيف كان يمزقها، ويرميها تحت أقدامه دون أي مبالاة. خبث ودهاء يتركنا خارج ذواتنا كموجة تخرج من البحر مصيرها الفناء.. أو كورقة توت تاهت وتقاذفتها الرياح خارج موطنها، نسيت أن أخبركم بأن كلُ ما هو خارج ذاتي ممتلئ بي، سأحدثكم اكثر عن الموتي الأحياء: هم بشر حقًا وليسوا زومبي كما تروج المسلسلات، بشرٌ ضاعت أحلامهم بلحظة غباء، أو غدرٍ من بعض الأشقياء، هم مثلكم جميعًا، عدا أن كلماتهم تبدأ حيث تتوقف ألسنتهم.. أما ترونني أتكلم صامتًا؟ ولا أفعل شيئًا عدا متابعة صمتي في كلّ ما أقول؛ لأنني لا أعرف في النهاية ما أريده وما يريده الآخرون، فَلَو كنت أعلم ما أريد لما  بقيت صامتًا ولما كتبت اسمي على جدار قبري المظلم حقًا، ففي وحشة القبر لن يكون لك من غطاء سوى الكلمات، رجاءً حاولوا تعلم الكلمات أكثر، ففي ليلة سوداء موحشة توقف قلبي، عندما توقّف لساني. وفي لحظة من الزمن اختفت أسئلتي وانتهى وجودي وزماني، وسقطت كل جسوري إلى العالم، فكلماتي هي حياتي وكل ما أملك، هي مائي وناري ودخاني وكل ما أحببت ذات مرة في شبه حياة؛ هي بدايتي ونهايتي، احلم بها ميتًا وحيًا..
فقدت كل شيء حين فقدتها، بسبب طعنة غدر، فقدت البداية والنهاية والأهم من ذلك: فقدت ذاتي، فقدت أحلامي.

أيام مضت

أيام مضت
أن ينتهي يومك ليسَ بالشيء المصيري، وهذا ربما أفضل ما فيه، اليوم اﻷوّل مثل اﻷخير واليوم الثاني جامد مثل الأول وكأن الأيام قد توقفت، البدايةُ مثلُ النهاية، الاستيقاظ كالنوم، أنام وأصحو ﻷجدَ كل شيءٍ ينتهِ باعتياديّـةٍ مقيتة، لن تتغيّـرَ التفاصيل. فقط هو ترتيبٌ رقميٌّ منمـّقٌ يبدو كبدايةٍ جديدة، يومٌ جيّـدٌ ﻷتذكّر ما فعلتهُ في ايّامي المصيريّة حقًا، والقليلةِ جداً مقارنة بغيري..
ﻷتذكّـرَ كيفَ تحركت مثل رجل آلي  ممسكًا قلم رصاص وأكتب في قائمةِ الرغبات “الهندسة الكهربائية” وأنا انظر الي الاستاذ ممسكًا ورقتي بابتسامة حمقاء حقيقية، لأظن اني رسمتُ وجهَ المستقبلِ بمسطرةٍ و زاوية قائمة من 90  درجة، وكانني جعلتُ كلّ أحلامي أحاديثَ للضحكِ والسخريةِ..
كيف اخطات مرة وظننت اني سيد العالم وإني الأفضل بين الجميع فابتعت كراهية الأقربين بأقل ثمن كراهية لم تزول حتي بعد الاعتذار والتغيير وكيف ظننت انني بصفاء القلب والحذر سأنجو من أنياب الذئاب بعد التغيير، كيفَ أحببت مرّة لمجرّد الرغبةِ بالوقوعِ في الحبّ  فاشتريتُ بأعصابي شهوراً طويلةً من الوجع والحرقة وبحرا من الدموع العذبة التي لا أتذكر كم مرة عجزت عن كبتها وانا في زاوية الغرفة المظلمة الطم والوم نفسي علي حبي الذي لم اشعر به حقيقة وكيفَ فكّـرتُ بأنني لن أسامح ابدا و أنني لو أملكُ يوماً أثراً بهذه القوة -أن أجعلَ أحداً يبكي وَ يبكي- فلن أفعلَها ابدا.
كم مرّة قفزت من وجهي الابتسامات ولم أستطِع حبسَها حتّى عند الصلاة، أو في خيمة عزاء، و كيفَ أنّ صانعَ الابتساماتِ رجلٌ لا يُنسى، كل يوم فشل هو يومٌ جيّد بالنسبة الي لجعلي أرى الناسَ بصورةٍ أعمق الزوجة التي خانها زوجها بالأمس تلوّن كل شيءٍ بالأسود تشتمُ و تسرعُ بإخفاءِ ملامحِ الفرح لضنها ان عشيقها سيأتيها بخاتم الخلاص. أو عن الحبيب المغرم الذي لا يعرف اي أنواع العطور تحبها صديقته، ويعبس حين يشتري مزيلا للعرق “لان لا ذوق له” كما انه يستحي كثيرا من صديقه الذي لا حبيبة له، اما الذين  يتعاملونَ “بنكد” وعدم مبالاة بالحياة و يكرهونَ كل شيء حولهم “أنا مثلا” و يملأون الفضاءاتِ والصفحاتِ بالكتابةِ عن عدمِ اكتراثهم وان عقولهم تعيش في دول الحياة اما اجسادهم فهي فقط الباقية هنا..
الذين مثلي  يخجلون من أنهم كآبة رغم امتلاكهم “كل شيء” ..! الأهم من كل ذلك قريبك المجنون بقلب حبيبتك سرًا، الجالس بصبر تحت القذائف ويكتب لها علي ” الفايبر” احبك بجنون كل مجنون. عن أحزاننا وحدادنا عند التشكيك والنظر والبحث عن اجابات لأسئلة كل مجنون، عن الوطنِ والمجتمع حفّـارِ القُبـور، عن ضعفنا اتجاه كل من نحب. هذا سلاحهم الذي يقتلنا جميعا ونحن مغرومون بابتسامة مهزوم صفراء تحجب الف سيف غرس في قلوبنا بكل سكون. عن الموعد المنتظر البعيد يوم رفاهية الرحيل التي لم نمتلك منها حتي الحقيبة، عن بقائِنا في قذارة العالم دون اي تطوير او تنوير، عن قلوب أرهقها خبث البعض ولم تعد تقوي ع المسير ..
عني وعن أيامٍ مضت ومضي معها الكثير..