كن بلا عقل

كن بلا عقل
’’كن عاقلاً، وابتعد عن الكتب، المدنية حلمٌ زائف!‘‘ تتكرر على مسامعي هذه الجملة من الإرشاد الملتبس الذي يحمل المضمون المعاكس تمامًا لظاهر كلماته، كن بلا عقل خاص بك، بلا تطور، بلا مبادرة شخصية، شابه الجميع واختر عصفور اليد المتوفر بدلًا من ملاحقة أوهام عصافير الأشجار -ما يسمي بالمدنية-.
في ذلك الظلام في تلك الغابة المقيتة حيث تعيش الوحوش الضارية يحزنني كثيراً غياب وجوه أناس كثر كان وجودهم يمنحني أملاً بانتصار الإنسان المتطور منتج المعرفة في الغابة الشريرة. في تلك البقعة يتجسد عالم صغير من الاستبداد الذي يحارب المعرفة ويمقت الكتب وكل نور يهدد وجود الظلام.
لم يعد لدي شيء أكرم به المثقفون الراحلون ربما أفضل ما يمكنني اعطاءه للمفكرين ومنتجي المعرفة ليس الرثاء وذكر حسناتهم وصفاتهم وحسب، فهم كقمر مشع أضاء عالم الأمس و لا يحتاحون مني هذا الرثاء والمديح، بل إن أكبر تكريم لهم هو احترام جهودهم و إعادة قراءة ما أفنو عمرهم وهم يحاولون بذله كي يتجسد لهم عالم أفضل في لحظة الحاضر واستثمار هذه الجهود من وقفات واعتصامات وورش عمل وحتي حملات لتتمكن البلاد ربما بمساعدتهم علي تجاوز هذا الألم والتقدم نحو التطور بسرعة إن أمكنها ذلك.
هكذا حتى وإن سببت لي القراءة والنقد قطيعة مع الماضي ومعه أحيانًا أكون قد استحوذت على شعاع من نورهم ليستمر بعضٌ منه مضيئاً -بشكل أو بآخر- في سماء الأمس والآن وغدا. روح المتمدن الخالصة منتج التغيير هي جهده الذي لايفنى طالما هو في عقلي روح: فأفكار التمدن باقية لاتفنى.
Advertisements

من مجنون إلي مجنون

من مجنون إلي مجنون

شد انتباهي مقولة استخدمها احد الأصدقاء في مقالةٍ له قائلاً:

“إن الناس في عصرنا لايتذكرون موتاهم اكثر من عام واحد”

اذا كانت كلماته هذه تصيب الحقيقة فعلاً، فياترانا هل نتذكر موتانا في هذا الزمن اكثر من يوم واحد؟ طالما كان الموت هو البطل، وسيد الساحات وهو يحصد الرؤوس، كما تحصد المناجل سنابل القمح، ومن يطلقون علي أنفسهم “المثقفون” في بلادنا -إلا قلة- يلبسون لكل حفلة لباسها الخاص، والمتماشي مع مهيتها، ولديهم قصائدها، وخطاباتها المجهزة سلفًا. أقنعة جيدة، ومصممة بطريقة جيدة، رجاءً انظروا إليهم كيف يصطادون الأحداث والمناسبات لكي يظهروا فيها، لِقاء منصب أو مال، أو مكانةٍ اجتماعية، أو لغرضٍ دنيء بعيد الأفق، قادة موسميون َملّتهُمُ المنابر والخطب والمناسبات!
تساقطت أوراق الستر كاشفة عن عوراتهم السياسية كما الأخلاقية. أين ذهبت كل تلك الأحلام والأفكار التي شغلتهم طيلة الأيام بل السنوات الفائتة؟ أين كل تلك الهواجس الإنسانية والمبادئ السامية؟ أين ذهبت شعاراتهم وكلماتهم وخططهم لبناء الدولة الفاضلة، والنظام العادل؟ هل حلّ القائد المأجور والقاتل محلهم، حتى بات يتحدث ويفرض رأيه الأوحد؟ أيعقل ان وعي المجتمع أمسى يتشكل بمداد وصوت الإعلام المُضلِّل والمُضلِّل، وليس بلسان القادة والمثقفين؟
إعلامٌ تحولت محطاتهُ إلى غرف عمليات فاقدة للنزاهة، وخنادق للمواجهة وساحات لحروبٍ طاحنة راح ضحيتها الآلاف بل الملايين من البسطاء المسحورين بكلماتهم! هل باتت ثقافتنا مستمدة من نشرات الأخبار التي تمثل أراء غيرنا، وتخدم مصالح غيرنا، مصالح أصحابها الضيقةِ العفنة المليئة بالجراثيم، بعيدًا عن الصدق والفكر الحرّ والنوايا الحسنة.
هل أُوكل إلى الحمقى وأُوعز للقَتلة أن يملأوا وعينا الذي بات اشبه بكأسٍ فارغ بما يريدوا، بعد أن تقاعد القادة وأنصافهم، وتحولوا إلى سلعٍ ودمى مأجورة، معروضة للبيع أو الإيجار في واجهات الحملات الإعلامية الكاذبة. أتُرانا نحن المفسدون حقًا؟ مغررٌ بِنَا فعلا، ما دامت عقولنا تدور من مجنونٍ الي مجنون!