بين جدران العصية

بين جدران العصية

 

في الحياة كل شيء يتغيّر ،الحكام، الحبّ، أرقام الهاتف، الأفكار، الأوطان، و حتي الأصدقاء،كل شيء يهترىء ولكل شئ نهاية .. في يوم من الأيام كنت أعيش بغير هذه المدينة، رغم أنها ذات المدينة،السلام والحرب بدلها ، بدل شوارعها التي لطالما تنمرت علي الجميع، وغير من اتجاهات سيرها باتت تأخذ جيئة وذهابا ،اكتنفني التيه وبت لا أعلم الطرق والوجهات بعد أن كنت عليما بسراديبها،لم أعد مألوفا بت غريبا عنها، وكنت كلما وقعت، أمد ذراعاً لنفسي لأقف من جديد.. كنت ولداً بنغازيا وحيداً.. يواجه مدينة كاملة تطلق علي نفسها لقب “العصية”. مرت السنوات بسرعة وقامت ثورة ومن بعدها حرب كبيرة، وأدركت أن هناك أناساً آخرين عند انتهاء طريق “بنغازي “، وتعرفت على بنغازي الجديدة ، كنت وحيداً أيضاً، إنما في مواجهة مدينة جديدة بحالها، بشوارعها ووجوها، وأبنيتها المتطاولة عن قامة منزلنا في “الهواري”،وجدرانها المحفورة بالذكريات وحفر الرصاص تأن قائلة “لقد مرت الحرب من هنا ” وحيداً.. أواجه هذه الأحجار الكبيرة المملؤة بالشضايا ، وأبحث في شقوقها عن نصوصي الضائعة، كنتُ مسلحاً بالتفائل وسجائري الرديئة. عندما كبرت، توقفت عن المواجهة، سلّمتُ أقدامي للطريق دون أي تفكير، وانشغلت بهاتفي المحمول وفتح أمامي باب الكآبة .. ومنذ ذلك الوقت، لم أصل إلى أي مكان، ولم تأخذني الطرق إلى أي قبلة للجمال، إلا صدفةً، حين انشغل العالم عني، وساقتني الطرق إلى حبيبتي ، بعدها سلمت لها ما تبقى مني، إلا أنني بقيت متجاهلاً مواجهة ما يسمونه العالم، وغالباً عند أي قرارٍ مصيري، أمدّ مؤخرتي له، وأتابع انشغالي بهاتفي المحمول، أو إلقاء نكاتي القديمة على حبيبتي، التي دائماً ما تضحك عليها للمرة المئة. علي كل حال. أنا بصحة جيدة بجوار مقبرة الكومنولث بمنطقة الرحبة ، أشرب الألم كل يوم، أنا وأفكاري برفقة الغليون و سليمان كانون.. وأنتم كيف حالكم ،اعذروني فلم أكن أراكم ..
Advertisements

سنوات دون أمل

سنوات دون أمل
من قال إن الحياة ليست بسريعة، وأن الزمن لا يتوقف خمس ثوانٍ بين لحظة إنطلاق المظاهرات المنددة بإسقاط النظام والمطالبة بنظام أفضل وبين السنوات الست التي أفقدتني أصدقاء وأحباب واقارب..
سنوات مضت بسرعة البرق بالرغم من عنف ما حدث في بنغازي من تدمير وتهجير وقتل واقتتال عنيف، وبالرغم من حضور كل شياطين العالم على أرضنا واقتسامهم لدمائنا ومحاولتهم بث الظلام واذلالنا وبالرغم من ضيق الأفق وكل ما يقال ولا يقال عن ضياع الحل بين أطراف الأزمة كما يقولون؛ تلك الصورة تحضرني كالوهج المضيء للعتمة يصبح فيه هذا الدم والدمار ثمن مقبول معادل لمضمونٍ يفوق كل تصوراتي عن الجمال والاكتمال فكما كانت الظلمة هي أيامنا الفائتة ربما تكون الست القادمة جمال ما بعده جمال.
لكل من دُمّر بيته وانتهكت أحلامه وفُجع بخسارة أحبائه وتاريخه وحاضره
لكل من ظُلم ولم يُسمع صوته..
لكل من نُفي أو شُرد عن هذا الوطن المقهور
لكل من عبر الحدود واعتلى الأمواج خوفاً على أولاده ووجوده و مكانه..
لكل من غرق في رحمة الأمواج أو في براري الغربة هائمة روحه لتربة هذا الوطن
لكل من سكن المدارس او بات في العراء ينهش الذلّ كرامته مكرهاً ومجبراً مهما كان نوع الإجبار ومهما كانت الظروف
رجاء لتعلمو جميعا أنكم مازلتم هنا وأن الأفضل هناك وهو قادم لا محالة، لو تعلمون أنتم يقيني الذي فقدت فضعت في دوامات الظلام و فقدان الأمل في حياة أفضل فلا معنى لوجودي دونكم وليس الوطن سوى أنتم ….
رجاء سامحوا سنواتكم وتصالحوا مع ماضيكم ولتقبلوا علي الحياة بنظرة أفضل فلا فبراير ولا سبتمبر تتوقف بدونهم الحياة ..
رجاء سامحوني سامحوا صمتي فلم يكن لي يوماً أي صوت ولم أكن املك مقدار ذرة كره الحياة ..
ولتعلموا بأن تفاؤلنا ليس رفاهية تفاؤلنا ضرورة ولا خيارات لدينا.. فكل هذا الخراب والحصار أمامي يقول بأنه لا أمل وأنني واهم.. وأن وجودنا ليس أخف من سقوط اوراق الاشجار ..
فبعد كل الذي مضي لن أرحل إلا وبرأسي تلك الصورة عن وطن أجمل مسكونا بشغف وضرورة إعادة إحيائها وتجسيدها كيفما استطعت فوق كل هذا اليأس والخراب.
فتمنوا لبعضكم وللوطن أياما أفضل

نحيبٌ على أطلالِ الأمس الحزين

نحيبٌ على أطلالِ الأمس الحزين

في هذه الحياة القاسية وفي ظل الحرب الطاحنة التي نشهد أحداثها لم يعد شيئًا يغريني البتة سوى لهاثٌ محمومٌ حار خلف بكاء فخم، أنتحب فيه وأقذف بكائي الفاخر صوب أمسي الكئيب وحاضري المنتهي.
ذاك الأمس الذليل الذي زرعت في غدرانه وروابيه فحولة السلام الزخمة، تلك الفحولة الشيطانية التي كانت تقصي الجميع عزلة نحو سفحٍ ما، ليمارس الأستمناء على فخذ امرأة اسمها بنغازي، أبيض لمحته عيناه في زقاقٍ ما وهو يسترق النظر من شقوق الأبواب، أو انثناءات جسدها المكتنز الذي يبرز مفاتنها -وسط البلاد والصابري- من تحت فستان رخو نام عليه، كان الأستمناء الطريق الأسرع والأقصر للوصول الى جسد هذه الفتاة الشهية، المسماة بنغازي. وكان خياله المراهق الدفوق دائمًا، ما يأخذه الى مكان خصب فواح في جسدها الأخاذ. عندما يضع وجنته فوق بطنها الرخو عند مهبط السرة -الليتي والهواري وبوعطني وطريق المطار- و يتشممها كزهرةٍ من الشهوة تزهو برحيقها ليغفو هناك عليه الى الأبد ويصرخ آه ياه يا متعتي الأبدية يا الله انا اسمي سلام وبنغازي معشوقتي من أريد.
ومن فترة ليست ببعيدة كثيرًا، وككل النهايات الحزينة صار الخلاف، وباء زواج السلام بمحبوبته بنغازي بالفشل، والطلاق كان الختام، وماهي إلا فترة حتي أصاب السلام العجز، رذل عمره، وأصبح شيخًا كبيرًا وإذ بمحبوبته بنغازي تحتاج رجلا يؤازرها.
لحظات صعبة جعلته يبكي، ويناجي نفسه وكل الذكريات: أهٍ يا أمس الفحولة، أين رحلت؟ يجب أن أبكيك لأنك تستحق البكاء، أيها الفخم، يا فحولة الأمس المقدسة، لو كنت أعلم اني سأحتاجك اليوم، لما قذفتك مجانًا في تلك الأوديةِ العجفاء!
أمرٌ يستحق البكاء عليه، واللعن أيضًا. قال: أكان قدري المهذب أن أمارس استراق السمع وتلصص النظر للحصول على زوادة للأستمناء القادم اللذيذ بعد بنغازي.
دائمًا كنت مهتاجاً كثورٍ أحمق يراوغ أنثاه. أواه لا يمكنني الزواج الآن، وحبيبتي بنغازي يتبادلونها أنصاف الرجال.
لو اني أدركتها منذ حين لأظهرت لها نعمة الرجل: نعمة الأمان والسلام..
نحيبٌ على أطلالِ الأمس الحزين

الوان أخرى

الوان أخرى

في كل يومٍ حدثٌ جديد، وكلما جد جديد أتساءل: تي عنجد أمهم بكل كيف اقدرو ايديرو هكي، كيف إستطاع القاتل أن يفعل فعلته؟ السؤال ذاته يتوارد لدى عدة أطراف، مع اختلاف تفاصيل الجريمة ومحاولات الأجوبة مكررة كالمتعاد: تخلوا عن إنسانيتهم، ليسوا بشرًا، مخلوقين من الكراهية، حمقى، مجرمين الخ.

في بنغازي، مدينتي الحبيبة، لا يُنسى بالنسبة لي: الانقسام الخرافي الذي حدث في النسيج الاجتماعي سابقًا. لم أكن أفهم كيف أصبح أحد أصدقائنا -وهو صديق لطيف بالمناسبة- قاتلاً؟ وذاك الصديق وذاك القريب وذاك الحبيب  والأخ… عندما يتحول شخصٌ تعرفه إلى قاتل، فهذا يجعلك تتساءل إن كان بالإمكان أن تمسي كذلك أنت ذاك القاتل؟ البارحة كان جزءً منك، وتستطيع أن تتبرأ منه كيفما شئت، لكنك تشعر أن هذا الجزء منك قد تحول لقاتل، وليس من السهل فهم تحوله ولا تقبله ولا التعايش معه، -بجديات شن اللي صار ما تفهم شي- سأستخدم تفسير كولن ويلسون لتفسير الحالة..

“يكون الإنسان قادراً على قتل إنسان آخر عندما يفقد هذا الآخر الصفات التي تجعل منه بشراً بنظر الإنسان الأول.”

يصبح شيئًا آخر يصبح دمية، إنه ليس أنا ولا يؤثر بي ما يحدث له أو معه. ما حدث في بنغازي هو تمامًا هذا الشيء، الكارثة وقعت، والليبيين في كل يوم يموتون على أيدِ بعضهم البعض، بدأ من بدأ، وانتهى من انتهى، سيكون السؤال المنطقي الآن: ماذا أفعل أنا كليبي؟ أملك من الحزن والخذلان والعجز ما لا أقوى على حمله؟ الحقيقة أننا نحن لم نتغير ومازلنا في موقعنا كبشر، ولكن هناك كم كبير من الناس التي اختارت طريقها في العنف، لا نستطيع أن نفعل شيئًا يذكر.
نستطيع فقط أن نصمت إن لم نكن قادرين على قول سوى ما يزيد هذه الإشارات التمييزية بيننا، وأن نتذكر أن كلماتنا “البريئة” وشعاراتنا وكل ما نطالب به، قد يكون السبب بقتل أحدهم، له أم، وربما أولاد وعائلة.

بوسعنا أن نضيف لونًا جديدًا لأرواحنا. قد تتزايد الأرواح الملونة، ويصبح الأبيض والأسود هما الشاذين، أتدرون كيفية تلوينها؟ كل حبٍ، كل جمالٍ، كل فنٍ وأدب، هو فعلٌ ضد الأسود والأبيض، والرمادي: لونُ الحمقى من لا يملكون مبادئ.  كل فعلٍ خَيْرّ يخدم في إطفاء هذا التمييز الذي نعانيه ولو قليلاً، أو يخدم في عدم زيادته والتقليل من وحشيته. كل تذكيرٍ بالمشترك، يخدم هذا.

إن محاولة بناء أرضية مشتركة قابلة لإحتضان الجميع، لم تكن يوماً مهمة الساسة، ومن المؤكد أنها ليست مهمة المتطرفين، فمن وجهة نظري انها مهمة الفنانين والأدباء والبسطاء الذين تهمهم الحياة فقط. وأنا وأنتم نعلم أن هناك من يقوم بذلك بصمت، ومن غير أسلوب المباشرة الذي أقوم به الآن -والذي لا أبرع بسواه مؤخرًا- هم فعلاً يقومون بعمل
جميل، ومذهل ولن أذكر اسماء، فالكل يعرف من هم سواءً لازالت صداقتنا أم انتهت علاقتنا وتغللتها المشكلات،
حديثي ليس للنقاش، ليس للحديث عمن بدأ، ولا عن الظلم، ولاعن البرد، ولا النزوح، والتخوين، ولا عن اي شئ اخر.
حديثي خُلِقَّ في داخلي نتيجةً لسؤال: ما الذي ينتظرنا بعد كل هذا؟ وأيًا كانت الإجابة فإنها غير مرضيةٍ بالنسبة لي. لا أستطيع الجلوس هنا، والاكتفاء بعدّ الشهداء والقتلى، أو اللطم والانتظار، لأنني لا أقدر على فعل شيء، ولا
أستطيع تبني أفكارٍ لا أؤمن بها، لا أؤمن بالعنف -رضيتم أم لا- لا أفعل، ولن أفعل أبدًا، أؤمن بـ”أثر حمامةِ سلام” أكثر مما أؤمن بأثر طائرة ميراج او رافال.
لا أعرف كيف أنهي كلامي كما أني لم أكن واثقًا من بدايته، على أمل أن تكون الفكرة قد وصلت وأن لاندخل في نقاشات يومية مملة لا طائل منها.
سلام هو ما اتمني وسلام ما سأكون.