من مجنون إلي مجنون

من مجنون إلي مجنون

شد انتباهي مقولة استخدمها احد الأصدقاء في مقالةٍ له قائلاً:

“إن الناس في عصرنا لايتذكرون موتاهم اكثر من عام واحد”

اذا كانت كلماته هذه تصيب الحقيقة فعلاً، فياترانا هل نتذكر موتانا في هذا الزمن اكثر من يوم واحد؟ طالما كان الموت هو البطل، وسيد الساحات وهو يحصد الرؤوس، كما تحصد المناجل سنابل القمح، ومن يطلقون علي أنفسهم “المثقفون” في بلادنا -إلا قلة- يلبسون لكل حفلة لباسها الخاص، والمتماشي مع مهيتها، ولديهم قصائدها، وخطاباتها المجهزة سلفًا. أقنعة جيدة، ومصممة بطريقة جيدة، رجاءً انظروا إليهم كيف يصطادون الأحداث والمناسبات لكي يظهروا فيها، لِقاء منصب أو مال، أو مكانةٍ اجتماعية، أو لغرضٍ دنيء بعيد الأفق، قادة موسميون َملّتهُمُ المنابر والخطب والمناسبات!
تساقطت أوراق الستر كاشفة عن عوراتهم السياسية كما الأخلاقية. أين ذهبت كل تلك الأحلام والأفكار التي شغلتهم طيلة الأيام بل السنوات الفائتة؟ أين كل تلك الهواجس الإنسانية والمبادئ السامية؟ أين ذهبت شعاراتهم وكلماتهم وخططهم لبناء الدولة الفاضلة، والنظام العادل؟ هل حلّ القائد المأجور والقاتل محلهم، حتى بات يتحدث ويفرض رأيه الأوحد؟ أيعقل ان وعي المجتمع أمسى يتشكل بمداد وصوت الإعلام المُضلِّل والمُضلِّل، وليس بلسان القادة والمثقفين؟
إعلامٌ تحولت محطاتهُ إلى غرف عمليات فاقدة للنزاهة، وخنادق للمواجهة وساحات لحروبٍ طاحنة راح ضحيتها الآلاف بل الملايين من البسطاء المسحورين بكلماتهم! هل باتت ثقافتنا مستمدة من نشرات الأخبار التي تمثل أراء غيرنا، وتخدم مصالح غيرنا، مصالح أصحابها الضيقةِ العفنة المليئة بالجراثيم، بعيدًا عن الصدق والفكر الحرّ والنوايا الحسنة.
هل أُوكل إلى الحمقى وأُوعز للقَتلة أن يملأوا وعينا الذي بات اشبه بكأسٍ فارغ بما يريدوا، بعد أن تقاعد القادة وأنصافهم، وتحولوا إلى سلعٍ ودمى مأجورة، معروضة للبيع أو الإيجار في واجهات الحملات الإعلامية الكاذبة. أتُرانا نحن المفسدون حقًا؟ مغررٌ بِنَا فعلا، ما دامت عقولنا تدور من مجنونٍ الي مجنون!

Advertisements

مصالح ضيقة

مصالح ضيقة

عجبي على أولئك المتكئين بزهوٍ مسترسلين في مدح أفلاطون وسقراط وأرسطو العظيم، وجاليلو وآينشتاين و فرويد وحتى المعري والمتنبي وابن سينا وخلدون، ومن لفّ لفهم، وتفلّك في فُلكهم ونهل من حكمتهم، يرفعونهم إلى ما فوق الرؤوس -وذاك ما يستحقون أكثر منه على أي حال- لكن اترهم نسيوا أنّ هؤلاء كانوا و ما زالوا يمثلون حرية الرأي والفكر، والجرأة في معارضة الواقع والرأي الواحد الواقف حجر عثرة في مجرى نهر الحياة، الرأي الأوحد الواحد الحق، هم ليسوا بالناتجين لإنسانا حر، فهم يستصبرون على عقلٍ وفكرٍ حر، ولكن ما أن يخالف أحد سكونية الرأي السائد أو يعارضه ويفضح مثالب الواقع المتهالك وأزمتنا الشبه أبدية، حتى وإن كان من أردئ الأحوال في العالم فهو عندهم أول المارقين وآخر الذاهبين إلى الجحيم.

إنهم ألذ أعداء أفلاطون وأبو طون وأم طون واخوه، وكل من فيه ذرة فكر واحدة مشابهة! بل هو ألذ أعدائهم.

هم من قتل سقراط واخوته في أثينا قبل أكثر من ألفي عام، وهم من لاحقوا نسله ومدرسته وتلامذته ومريديه جيلاً وراء جيل، هم من يقتلونه الآن عشرين مرة.. الأحرار المعتقلين، والمطاردين المظلومين، والعقلاء المنبوذين الذين يتجرعون السمّ في المواقف الصلبة كالحديد.

يا للوقاحة، يرفعون كؤوس الموت على أنها كؤوس الخمر ويلوحون بمفاتيح السجون على أنها مفاتيح الجنان ويمهرون بطاقات التزوير والتكفير و الاتهام على أنها بطاقات الولائم وحفلات التسامح، ويتشدقون بالأقوال الرفيعة والنظرات الحكيمة والفلسفات العاقلة وعيونهم على المصلحة الضيقة والأنانية المريضة ومغريات الفساد.

من أين لكم بكل هذه الجرأة في الوقاحة و الادعاء والتزوير والتناقض الدنيء، من أين؟ رجاءً أجيبوني .. أواه حسنًا لا تجيبوا! أتتوهمون أنني لا أعرف بما ستجيبون؟