مصالح ضيقة

مصالح ضيقة

عجبي على أولئك المتكئين بزهوٍ مسترسلين في مدح أفلاطون وسقراط وأرسطو العظيم، وجاليلو وآينشتاين و فرويد وحتى المعري والمتنبي وابن سينا وخلدون، ومن لفّ لفهم، وتفلّك في فُلكهم ونهل من حكمتهم، يرفعونهم إلى ما فوق الرؤوس -وذاك ما يستحقون أكثر منه على أي حال- لكن اترهم نسيوا أنّ هؤلاء كانوا و ما زالوا يمثلون حرية الرأي والفكر، والجرأة في معارضة الواقع والرأي الواحد الواقف حجر عثرة في مجرى نهر الحياة، الرأي الأوحد الواحد الحق، هم ليسوا بالناتجين لإنسانا حر، فهم يستصبرون على عقلٍ وفكرٍ حر، ولكن ما أن يخالف أحد سكونية الرأي السائد أو يعارضه ويفضح مثالب الواقع المتهالك وأزمتنا الشبه أبدية، حتى وإن كان من أردئ الأحوال في العالم فهو عندهم أول المارقين وآخر الذاهبين إلى الجحيم.

إنهم ألذ أعداء أفلاطون وأبو طون وأم طون واخوه، وكل من فيه ذرة فكر واحدة مشابهة! بل هو ألذ أعدائهم.

هم من قتل سقراط واخوته في أثينا قبل أكثر من ألفي عام، وهم من لاحقوا نسله ومدرسته وتلامذته ومريديه جيلاً وراء جيل، هم من يقتلونه الآن عشرين مرة.. الأحرار المعتقلين، والمطاردين المظلومين، والعقلاء المنبوذين الذين يتجرعون السمّ في المواقف الصلبة كالحديد.

يا للوقاحة، يرفعون كؤوس الموت على أنها كؤوس الخمر ويلوحون بمفاتيح السجون على أنها مفاتيح الجنان ويمهرون بطاقات التزوير والتكفير و الاتهام على أنها بطاقات الولائم وحفلات التسامح، ويتشدقون بالأقوال الرفيعة والنظرات الحكيمة والفلسفات العاقلة وعيونهم على المصلحة الضيقة والأنانية المريضة ومغريات الفساد.

من أين لكم بكل هذه الجرأة في الوقاحة و الادعاء والتزوير والتناقض الدنيء، من أين؟ رجاءً أجيبوني .. أواه حسنًا لا تجيبوا! أتتوهمون أنني لا أعرف بما ستجيبون؟

Advertisements