الوان أخرى

الوان أخرى

في كل يومٍ حدثٌ جديد، وكلما جد جديد أتساءل: تي عنجد أمهم بكل كيف اقدرو ايديرو هكي، كيف إستطاع القاتل أن يفعل فعلته؟ السؤال ذاته يتوارد لدى عدة أطراف، مع اختلاف تفاصيل الجريمة ومحاولات الأجوبة مكررة كالمتعاد: تخلوا عن إنسانيتهم، ليسوا بشرًا، مخلوقين من الكراهية، حمقى، مجرمين الخ.

في بنغازي، مدينتي الحبيبة، لا يُنسى بالنسبة لي: الانقسام الخرافي الذي حدث في النسيج الاجتماعي سابقًا. لم أكن أفهم كيف أصبح أحد أصدقائنا -وهو صديق لطيف بالمناسبة- قاتلاً؟ وذاك الصديق وذاك القريب وذاك الحبيب  والأخ… عندما يتحول شخصٌ تعرفه إلى قاتل، فهذا يجعلك تتساءل إن كان بالإمكان أن تمسي كذلك أنت ذاك القاتل؟ البارحة كان جزءً منك، وتستطيع أن تتبرأ منه كيفما شئت، لكنك تشعر أن هذا الجزء منك قد تحول لقاتل، وليس من السهل فهم تحوله ولا تقبله ولا التعايش معه، -بجديات شن اللي صار ما تفهم شي- سأستخدم تفسير كولن ويلسون لتفسير الحالة..

“يكون الإنسان قادراً على قتل إنسان آخر عندما يفقد هذا الآخر الصفات التي تجعل منه بشراً بنظر الإنسان الأول.”

يصبح شيئًا آخر يصبح دمية، إنه ليس أنا ولا يؤثر بي ما يحدث له أو معه. ما حدث في بنغازي هو تمامًا هذا الشيء، الكارثة وقعت، والليبيين في كل يوم يموتون على أيدِ بعضهم البعض، بدأ من بدأ، وانتهى من انتهى، سيكون السؤال المنطقي الآن: ماذا أفعل أنا كليبي؟ أملك من الحزن والخذلان والعجز ما لا أقوى على حمله؟ الحقيقة أننا نحن لم نتغير ومازلنا في موقعنا كبشر، ولكن هناك كم كبير من الناس التي اختارت طريقها في العنف، لا نستطيع أن نفعل شيئًا يذكر.
نستطيع فقط أن نصمت إن لم نكن قادرين على قول سوى ما يزيد هذه الإشارات التمييزية بيننا، وأن نتذكر أن كلماتنا “البريئة” وشعاراتنا وكل ما نطالب به، قد يكون السبب بقتل أحدهم، له أم، وربما أولاد وعائلة.

بوسعنا أن نضيف لونًا جديدًا لأرواحنا. قد تتزايد الأرواح الملونة، ويصبح الأبيض والأسود هما الشاذين، أتدرون كيفية تلوينها؟ كل حبٍ، كل جمالٍ، كل فنٍ وأدب، هو فعلٌ ضد الأسود والأبيض، والرمادي: لونُ الحمقى من لا يملكون مبادئ.  كل فعلٍ خَيْرّ يخدم في إطفاء هذا التمييز الذي نعانيه ولو قليلاً، أو يخدم في عدم زيادته والتقليل من وحشيته. كل تذكيرٍ بالمشترك، يخدم هذا.

إن محاولة بناء أرضية مشتركة قابلة لإحتضان الجميع، لم تكن يوماً مهمة الساسة، ومن المؤكد أنها ليست مهمة المتطرفين، فمن وجهة نظري انها مهمة الفنانين والأدباء والبسطاء الذين تهمهم الحياة فقط. وأنا وأنتم نعلم أن هناك من يقوم بذلك بصمت، ومن غير أسلوب المباشرة الذي أقوم به الآن -والذي لا أبرع بسواه مؤخرًا- هم فعلاً يقومون بعمل
جميل، ومذهل ولن أذكر اسماء، فالكل يعرف من هم سواءً لازالت صداقتنا أم انتهت علاقتنا وتغللتها المشكلات،
حديثي ليس للنقاش، ليس للحديث عمن بدأ، ولا عن الظلم، ولاعن البرد، ولا النزوح، والتخوين، ولا عن اي شئ اخر.
حديثي خُلِقَّ في داخلي نتيجةً لسؤال: ما الذي ينتظرنا بعد كل هذا؟ وأيًا كانت الإجابة فإنها غير مرضيةٍ بالنسبة لي. لا أستطيع الجلوس هنا، والاكتفاء بعدّ الشهداء والقتلى، أو اللطم والانتظار، لأنني لا أقدر على فعل شيء، ولا
أستطيع تبني أفكارٍ لا أؤمن بها، لا أؤمن بالعنف -رضيتم أم لا- لا أفعل، ولن أفعل أبدًا، أؤمن بـ”أثر حمامةِ سلام” أكثر مما أؤمن بأثر طائرة ميراج او رافال.
لا أعرف كيف أنهي كلامي كما أني لم أكن واثقًا من بدايته، على أمل أن تكون الفكرة قد وصلت وأن لاندخل في نقاشات يومية مملة لا طائل منها.
سلام هو ما اتمني وسلام ما سأكون.

Advertisements